تحرير صوافطة- نساء أف أم: فتيات كغصن البان يتخرجن من معاناة الدراسة الجامعية مبتسمات لغد أجمل، ينظرن نحو الأفق البعيد بانتظار وظيفة يشعرن من خلالها أن الحياة قد بدأت، ولا يدرك بعضهن أن خلف المكاتب خبايا وأسرار لا يدركها سوى جدران مغلقة على ذاتها، تحرشات جنسية تفتك بأحلام الخريجات وتحرم بعضهن ممن لا يستطعن صبراً على ترك العمل وبقايا حلمٍ لم يكتمل.
وما يزيد العقدة تأزماً تخوف العديد من الفتيات لتقديم الشكاوى ضد المتحرشين من زملاء العمل والمدراء،فإحداهن تخاف على فقدان وظيفتها في ظل سوق يفتقر للحد الأدنى من فرص التوظيف، وأخرى تخشى من كثرة القيل والقال وما يرافقه من كلام يلوم الفتاة ذاتها بحكم العرف الاجتماعي الذي يكاد يخنق البعض منهن، فإلى أين وصل التحرش بالمرأة الفلسطينية بأماكن العمل، وأين القانون من كل ذلك؟.
الإحصاءات الأولية المتوافرة في العديد من المؤسسات الفلسطينية العاملة في المجال النسوي سيما العنف ضد المرأة، تشير إلى أن هناك ارتفاعاً ملحوظاً في تزايد حالات التحرش بالنساء العاملات في أماكن العمل، وذلك بسبب استغلال المتحرشين لعدم وجود نصوص قانونية لتجريم المتحرشين.
فما ورد من بيانات كشفت عنها وزارة شؤون المرأة تفيد أن عدد حالات التحرش بالنساء التي سجلت عام 2014 في أماكن العمل لا تكاد تذكر، فقد بلغت ثلاث حالات فقط بحسب ما أفادت به رئيسة وحدة الشكاوى في الوزارة إلهام سامي، مؤكدة أن "هذا الرقم يدل على عدم وجود وعي كافٍ لدى النساء بالإبلاغ عن حالات التحرش بهن، وبسبب تخوف العديد منهن للطرد من أماكن العمل سيما في القطاع الخاص،" وتفيد سامي أن التحفظ عن الشكاوى يؤدي لغياب وجود إحصاءات رسمية لمعرفة الواقع الفعلي لظاهرة التحرش بالنساء، للمساهمة بوضع آليات عمل للقضاء عليها.
وأشارت سامي إلى أن "هناك حالة واحدة فقط عام 2014 قامت خلاله امرأة عاملة في القطاع العام ولأول مرة بتقديم شكوى لدى الوزارة ضد أحد المتحرشين فيها من المدراء، ولكن بسبب عدم وجود قانون عقوبات رادع أصبحت القضية كأن شيئاً لم يكن."
وأضافت سامي أن غياب تشريع فلسطيني قائم على معالجة قضايا التحرش يجعلها في طيّ الكتمان، كما أن المرأة المتحرَش بها تحتاج إلى أمان وظيفي لتصبح قادرة على تفعيل ظاهرة التحرش، التي تزداد دون رقيب، نتيجة استغلال بعض المدراء لمناصبهم، ما يتطلب مضاعفة الجهود للقضاء عليها، وليس الحدّ منها فقط.
للاستماع للمقابلة اضغط هنا
https://soundcloud.com/radionisaa96fm/1a-2
ومن جهة أخرى، فإن إحصاءات مؤسسة سوا لمناهضة العنف ضد النساء والأطفال تؤكد أن عدد المكالمات الهاتفية التي تصل المؤسسة عبر الخطوط المجانية المخصصة لقضايا التحرش تزداد باضطراد، فقد بلغ عدد الشكاوى من النساء نتيجة التحرش في السوق والعمل 331 حالة خلال عام 2013، بينما وصل العدد إلى 490 في العام الذي يليه، فضلاً عن وجود العديد من حالات التحرش في السوق والعمل لا يتم الإبلاغ عنها لاعتبارات مختلفة منها الاجتماعية، وكذلك الوظيفية، ما يؤكد افتقار المرأة لأدنى مقومات الأمان في الوظيفة والأسواق، من التحرش اللفظي أو الجسدي.
وما صدر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني من دراسات حول التحرش بالنساء في العمل يعتبر قليل، بسبب تحفظ المتحرَش بهن عن الإبلاغ، إذ يفيد المسح ﺍﻟﻭﻁﻨﻲ حول ﺍﻟﻌﻨﻑ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺍﻟﻔﻠﺴﻁﻴﻨﻲ عام 2011 إلى تعرض 1.7% من الشباب للعنف الجنسي بالسوق والعمل، (0.5% ﺫكوﺭ مقابل 3.0% إناﺙ)، وهذه الأرقام رغم انخفاضها إلا أنها تتمحور حول خطورة ما تتعرض له المرأة بالتحديد سواء كان ذلك التحرش بالسوق أو العمل.
تحرش وتحفظ
وأسباب التحرش بالمرأة في العمل لا يمكن ضبطها بقائمة محددة، فالمتزوجة كما العزباء تتعرض للتحرش، والفتاة التي ترتدي الحجاب ليست أقل وطأة بتعرضها للتحرش كغيرها من الفتيات اللاتي لا يضعن غطاء الرأس، والأقل جمالاً من النساء كمثيلاتها فائقات الجمال، فلا رادع يمنع المتحرش من إظهار فساده الأخلاقي، كما أن دوافع التحرش قد لا تكون جنسية بحتة، إذ يعتبر أحد مرتكزات الفساد المالي والإداري، الذي يقود في أغلب الأحيان للفساد الأخلاقي.
وفي هذا الشأن تعرضت (ل. س) لإحدى مواقف التحرش في عملها بالقطاع الخاص، قائلة:"بعد فترة قصيرة من حصولي على الوظيفة تعرضت لتحرش من مديري، وأنا امرأة مطلقة وأعمل على إعالة أسرتي، مديري مارس معي التحرش باللمس واللفظ، ولا أعلم ماذا أفعل، لست قادرة على الشكوى أو ترك العمل، فأنا أبحث عن وظيفة أخرى ولا أجد، وإن وجدت الراتب سيء، وكذلك هددني المدير بفضحي أمام الموظفين إن تشكيت عليه."
وبذات الإطار تعرضت (س. ط) لتحرش جسدي خلال عملها بأحد المراكز في رام الله لتعليم الطلبة من قبل مدير المركز، قائلة:"في أحد الأيام كان لدي حصة بالمركز، وقال لي المدير إنه بعد انتهاء الدرس علي المجيء إليه في المكتب؛ لأشرح له خطة التدريس للطلاب، وعندما دخلت للمكتب جلست خلف جهاز الكمبيوتر لأفتح الفلاشة، هجم المدير عليّ، دفشته بقوة وهربت، ولم أعد للعمل مرة ثانية."
أين القانون من التحرش؟!
في اللوائح الفلسطينية ليس هناك نص قانوني لعقاب الجاني في قضايا التحرش، سيما قانون العقوبات الأردني لعام 1960 والجاري تطبيقه في الأراضي الفلسطينية، وكذلك الحال قي قانون العمل وقانون الخدمة المدنية.
ومن جهته قال المستشار القانوني في مؤسسة أمان- الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة- بلال البرغوثي "فيما يتعلق بالمنظومة التشريعية القانونية الفلسطينية للأسف يوجد فراغ تشريعي بتناول قضية التحرش، موضحاً أن قانون العقوبات الأردني لم يخصص نصوصاً صريحة للتحرش، إنما تطرق لها ضمن الأفعال المنافية للحياء، المنصوص عليها في المادة 305، حيث نصت (يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سنة كل من داعب بصور منافية للحياء، امرأة أو فتاة لها من العمر خمس عشرة سنة أو أكثر دون رضاهما)، وكذلك الماد 306 والتي تتحدث عن توجيه الكلام المنافي للحياء، والذي يؤدي لعقوبة الحبس بما لا يتجاوز ستة أشهر أو غرامة لا تزيد عن خمسة وعشرين ديناراً، أما المادة 320 تفيد أن ارتكاب فعل منافي للحياء في مكان عام يستوجب عقوبة بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر أو بغرامة لا تزيد على خمسين دينار،" وهذا يعني أن التحرش يتطلب العلانية، أما إن وقع بمكان مغلق لا يُسأل عنه الجاني، لأنه غير علني.
وأضاف البرغوثي "حاول مشروع قانون العقوبات الفلسطيني لعام 2010، والمتواجد في أدراج مؤسسة الرئاسة حتى يتم اعتماده، سدّ الفراغ التشريعي من خلال وضع عقوبات، إذ تصل فيه عقوبة التحرش الجنسي بالسجن مدة لا تقل عن ستة أشهر وغرامة قدرها ثلاثمائة دينار، بينما ضاعف مشروع القانون العقوبة لمن يستغل سلطته الوظيفية لارتكاب التحرش بالحبس لمدة سنتين،" وهذا فيما يتعلق بالمنظومة الجزائية.
وأفاد البرغوثي كذلك "أنه في قانون مكافحة الفساد لعام 2010 كان هناك غياب واضح لاعتبار التحرش الجنسي في العمل باعتباره شكل من أشكال الفساد، لكن يمكن استغلال بعض المواد والتي تشمل الجرائم المخلة بالوظيفة والثقة العامة، والحال في قانون الخدمة المدنية وقانون العمل لا يختلف كثيراً فقد افتقر لمواد تتعلق بالتحرش من قبل المدراء وأصحاب السلطة، واقتصرت على توافر بيئة العمل المناسبة."
للاستماع للمقابلة اضغط هنا
https://soundcloud.com/radionisaa96fm/1a-1
وحول ما يمكن تحقيقه من الاتفاقيات الدولية التي انضمت لها فلسطين، ومنها اتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة (سيداو)، أشار البرغوثي "إلى أن الاتفاقيات لم يتم إدراجها في إطار التشريع المحلي على شكل نصوص قانونية؛ بمعنى أن المحكمة لا تلتزم بالنصوص الواردة فيها إذا لم تصدر أحكام هذه الاتفاقيات على هيئة تشريع محلي،" فمن الضروري ترجمة ما تم التوقيع عليه لنصوص قانونية لتصبح سارية المفعول.
للاستماع للمقابلة اضغط هنا
https://soundcloud.com/radionisaa96fm/2a-1
والحل؟!
ما تتعرض له المرأة من تحرش يتطلب قبل كل شيء جرأة من المرأة ذاتها في إعلاء صوتها والدفاع عن نفسها وكسر حاجز الصمت، سيما أن الناطق باسم الشرطة الفلسطينية لؤي رزيقات أكد أنه لا يوجد أية حالات تحرش بالعمل تم الإبلاغ عنها من قبل النساء خلال السنوات الأخيرة، بالإضافة إلى تفعيل وحدات الشكاوى في القطاع العام والمؤسسات الأهلية والحفاظ على سرّية الحالات التي يتم خلالها التشكي، وإيجاد دوائر تعنى بمعالجة الآثار الناجمة عن عمليات التحرش، وتفعيل دور المؤسسات النّسوية لتوعية النساء بخطورة التحرش وأهمية الإفصاح عنه وعدم الطبطبة عليه.
وكذلك من الضروري توفير الحماية القانونية من خلال إنشاء دوائر قانونية فعالة تعمل على متابعة حيثيات الشكاوى، وقبل ذلك لا بدّ من تكاتف الجهود من قبل القضاة والمحامين من أجل تفعيل مشروع قانون العقوبات الفلسطيني، سيما أن قانون العقوبات الأردني قديم ولا يتلاءم مع التطورات التي تطرأ في المجتمع الفلسطيني، وأيضاً لا نغفل عن أهمية تعديل قانون مكافحة الفساد والعمل والخدمة المدنية بالعمل على سدّ الثغرات التي لا تتناول قضايا التحرش في اللوائح القانونية.
ومن الجدير العمل للدفاع عن المرأة من العنف والفساد الإداري تفعيل الاتفاقيات التي تم التوقيع الفلسطيني عليها، من خلال ترجمتها لنصوص قانونية ضمن التشريع المحلي، لتصبح فعالة وليست مجرد حبر على ورق.
