
رام الله –نساءFM-تُعدُّ ظاهرة الفلاحات وبسطاتهنّ من الخضار البلدية وبعض الفاكهة من أبرز ملامح مدينة القدس عبر عقودٍ طويلة. واكتست هذه الظاهرة ملمحاً ذا بُعدٍ وطنيّ، كون الفلاحات وبضاعتهنّ جزءاً أصيلاً من تراث الأرض الفلسطينية.
ويعج هذا العالم بحكايا وقصصٍ فيها من الألم والحرمان والمعاناة، وفي الوقت نفسه فيها من الكبرياء والاعتماد على النفس، وتحصيل لقمة العيش بعرق الجبين، وعدم امتهان البطالة والتسول، ومنهنّ من تمكنّ من تعليم أولادهنّ وبناتهنّ أرقى تعليم من وراء بيع ضمات النعناع وازعتر والميرامية وأكواز الصبر وحبات التين.
وفي هذا الريبورتاج بعضٌ من القصص والحكايات التي تعكس صورة هذا الواقع المليء بالمعاناة والتحدي!
ملاحقات يومية من موظفي بلدية الاحتلال في القدس
تقول الفلاحة التلحمية "أُم إياد"، التي مضى على بسطتها نحو 30 عاماً: "إن موظفي بلدية الاحتلال يلاحقوننا منذ عرفنا هذه المهنة، حيث نتعرض لمداهماتهم أحياناً 3-4 مرات في اليوم، وإن عوائد البسطة بالكاد تسدّ الاحتياجات الأساسية".
وتصف معاناة نقل الخضار من على الحواجز العسكرية سابقاً ومصادرتها ومنع دخولها في بعض الأحيان كأنها "مهربات"، ما يضطرهن لشرائها من الحسبة في القدس إلا في حالات نادرة، وتتم العملية وفق أُسلوب القط والفأر.. والتي تُضبط بضاعتها تصادَر أو تدفع غرامة!
وأوضحت أن ما يدفعها إلى هذه البسطة الحاجة وعدم سؤال الناس، "فنحن تعودنا على الستر والقناعة والحصول على لقمة عيشنا بالكد والتعب والعرق".
الخروج إلى العمل منذ صياح الديك

تشير الفلاحة أُم محمد من بيت لحم إلى مضايقات موظفي بلدية الاحتلال في القدس، وقيامهم بمصادرة البضاعة، بذريعة أن البيع في الشوارع ممنوع، خاصة أنّ "نتاجنا من الخضار هو من زراعة أرضنا في بيت لحم".
وذكرت أن الواحدة منهن في كثير من الأحيان لا تستطيع أداء الصلاة في موعدها خشية من قيام موظفي البلدية بالاستيلاء على بضاعتهن من الخضار إذا غبن عنها ولو لدقائق معدودة، كما أنهن أحياناً يُغالبهنّ النعاس لاإرادياً، لأنهن يخرجن منذ صياح ديك الفجر، فالحياة صعبة ومكلفة، وعليهن التزامات كثيرة.
وتتنهد وتقول: "منذ 40 عاماً وأنا هي هذه المهنة، وربيتُ أبنائي وعلمتهم، ولم أجعلهم يحتاجون أحداً.
أُصيبت بجلطةٍ وهي على البسطة
لا تنسى الحاجة أُم صبري قصة تعرضها إلى جلطةٍ كادت تودي بحياتها وهي على بسطتها في باب الساهرة، ولكن الله سلّم ولطف.
وتقول: "في أحد الأيام وأنا على بسطتي شعرتُ فجأةً بدوخة، ولم أَفِق إلا وأنا في مستشفى المقاصد حيث تمت معالجتي من جلطةٍ أصابتني، ولم أكد أتعافى حتى عدت إلى بسطتي لأن فيها رزقي ورزق عيالي، فأبوهم عاطل عن العمل، وليس معه تصريح للخروج من الضفة.
وتشير إلى صعوبة الحياة وتكاليفها، وإلى أنّ الأرباح في عملها بالكاد تسدّ الحاجة، وتقول: كما ترى، الآن الظهر ولم نستفتح بعد، إنها لقمة مغمسة بالدم والهم، خليها على الله".
وتأتي أُم صبري (84 عاماً) من بيت أُمر بمحافظة الخليل بحثاً عن لقمة العيش من خير أرضها الطيبة.
دبور في سلة صبر يتسبب بإغلاق المنطقة واستدعاء خبير المتفجرات
ويروي المصور الفلسطيني إسحاق القواسمي موقفاً نادراً وطريفاً كانت سببه إحدى الفلاحات من محافظة بيت لحم كانت تنقل سلتين من الصبر، فتركت إحداهما على درجات باب العمود، وذهبت لتأمين السلة الأُخرى في مكان قريب، وأثناء ذهابها سمع جنود من جيش الاحتلال أزيزاً وصوتاً غريباً يصدر من سة الصبر المغطاة بقطعةٍ من الخيش ، فظنوا أن الجسم مشبوه ومفخخ ، فاستدعوا خبير المتفجرات وأغلقوا المنطقة وأبعدوا المارة والسابلة.
ويضيف: وفجأةً ظهرت الفلاحة صاحبة سلة الصبر، فحاول أحد ضباط الاحتلال منعها، إلا أنها أقنعته أن هذه السلة هي مسؤولة عنها وفيها صبر، وما إن أزاحت قطعة الخيش حيث طار دبورٌ كان يُصدر حركةً وأزيزاً من تحت الخيش.
ويتابع القواسمي: وهنا ذُهل أجنود الاحتلال، فبعد كل هذه الجلبة التي أحدثوها تبيّن أن دبوراً يقف وراءها!
جندي يلحق فلاحةً فيتزحلق بحباتٍ من التين
تقول فلاحة تلحمية إنها ذات سنة كانت على الحاجز العسكري بين القدس وبيت لحم، وأشار لها جنود الحاجز بالعودة من حيث أتت وكانت تحمل سلة تين، لكنها حاولت الالتفاف عن الحاجز واللحاق بالحافلة الذاهبة إلى القدس، وكان ذلك قبل تحصين الحواجز العسكرية بالشكل الذي نراه اليوم، ولكن أحد الجنود لاحظها فركض نحوها، وعندما حاولت الفرار منه تعثرت وسقطت حبات من التين وتدحرجت على الأرض، وكانت سبباً في تزحلق الجندي على قفاه، وعندما شاهد بقية الجنود ما جرى هرعوا لمساعدته وهم يضحكون عليه، فاغتنمت الفرصة ولاذت بالفرار والابتعاد عنهم.
وتعتبر هذه الفلاحة أن ما جرى للجندي "خَطيّة" منعِها من الحصول على رزقها ورزق عيالها في ذاك اليوم.
أكلوا الصبر بقشره.. وقشّروا التين!
تروي مُرافقة للفلاحة أُم محمد، التي انتقلت إلى رحمة الله، موقفين غريبين حصلا معها في سبعينيات القرن الماضي، وكانت شاهدةً عليهما، يشيران إلى أن الإسرائيليين غرباء عن هذه البلاد، ولا يمتون لها بصلة.
وتقول هذه المُرافقة: عندما كانت أُم محمد تبيع الصبر، قامت مجموعة من الإسرائيليين بشراء حبات الصبر، وأخذوا يأكلون "أكواز" الصبر بقشورها، حتى انتبهت لهم وأرشدتهم إلى طريقة أكل هذه الفاكهة.
وتضيف: والموقف الغريب الآخر أن مجموعةً إسرائيليةً أُخرى كانت تحاول تقشير التين قبل أكله، دلالةً على عدم معرفة الإسرائيليين بثمار الأرض الفلسطينية لأنهم طارئون عليها.
أُم حسين تقرأ الصحيفة على البسطة
تقول الفلاحة أُم حسين إنها مواظبة على تصفح جريدة "القدس"، على وجه الخصوص، وهي تنتظر على بسطتها، خاصةً عندما تكون الحركة قليلةً في السوق، فتنتهز الفرصة بقراءة الصحيفة والاستفادة من المعلومات والاخبار المنشورة فيها.
وتقول إنها تعلمت القراءة والكتابة من بناتها اللواتي علمتهن في الجامعات، حيث ساعدنها في تعلم القراءة والكتابة ومحو أميتها؛ رداً لجميل والدتهن التي تعبت وشقيت من أجل تربيتهنّ وتعليمهنّ.
علّمت أبناءها وزوّجتهم من بيع الزعتر والبقدونس والميرامية
يروي الصحافي المقدسي أحمد البخاري قصة فلاحةٍ حاول أحدهم السخرية منها، فردت عليه بأنها تمكنت من وراء بيع الزعتر والبقدونس والميرامية والبابونج والصبر من تعليم اولادها وبناتها وتزويجهم دون طلب مساعدةٍ من أحد.
ويضيف البخاري: فذُهل هذا الشخص وأحس بخطئه، فما كان منه إلا أن اعتذر من هذه الفلاحة وقبّل يديها واشترى منها أكثر مما يحتاج.
محمد يرث ومحمد لا يرث
فاجأتنا الفلاحة أُم محمد في أول شارع صلاح الدين مقابل البريد برفض أخذ صورةٍ لها وأدارت وجهها عن الكاميرا، في حين كانت تستعد لإجراء حديثٍ مصورٍ بالفيديو تعده بعض الطالبات المقدسيات من جامعة بيت لحم في سياق مساقٍ أو سيمنارٍ للتخرج!
وعندما سألناها كيف توافق على التصوير أمام كاميرا فيديو وترفض صورة كاميرا عادية، أجابت: أنتم جماعة الصحافة تنشرون صورتي على الدنيا كلها، أما هؤلاء البنات، فإنهن يُردن إجراء مقابلة معي من أجل التخرج من الجامعة والحصول على الشهادة الجامعية، وأنا أُريد أن أُساعدهن كما ساعدت وعلّمت أولادي وبناتي في المدارس والجامعات من خير هذه البسطة.
وتقول ضاحكة: يعني، بصراحة، محمد يرث ومحمد لا يرث.
نوم العوافي يا حاجة...
حازت صورة إحدى الفلاحات وهي تغفو على بسطتها على صدى كبير لدى نشرها على صفحات التواصل الاجتماعي والإشادة بها من حيث إنها تُجسّد المرأة الفلسطينية والأُم المكافحة من أجل تربية أفراد أُسرتها وإعالتهم.
وعلق المئات مرحبين ومهللين للأُم الفلسطينية التي تعيش بكرامةٍ من خيرات أرضها ولا تتسول أو تطرق أبواب الناس.
المصدر: القدس دوت كوم - محمد زحايكة
