.jpg)
نيوجرسي -نساءFM-لأول مرة يتم تعيين أمريكي من أصل فلسطيني قاضي قضاة في مدينة باترسون، ثالث أكبر مدينة في ولاية نيوجرسي. فقد وجه رئيس بلدية المدينة أندريه صايغ دعوة لوجهاء الجالية العربية يوم 28 حزيران/يونيو لحضور حفل تنصيب عبد المجيد عبد الهادي في منصب قاضي قضاة المدينة. اعتبر هذا الموقع أرفع منصب في السلك القضائي يصله عربي من أصل فلسطيني على مستوى الولايات المتحدة وهو ما جرى تداوله في فلسطين والعالم العربي على أنه شهادة إضافية على تميز الفلسطينيين وإبداعاتهم أينما حلوا وحيثما وجدوا.
ولد عبد المجيد في مدينة دنفر بولاية كولورادو عام 1978 لأبوين فلسطينيين مهاجرين وهو واحد من ثمانية أبناء وبنات. الوالد من بلدة دير دبوان شرق مدينة رام الله والوالدة من بلدة جبع من قضاء القدس. انتقلت العائلة إلى مدينة باترسون بولاية نيوجرسي عام 1982 وتابع عبد المجيد دراسته في مدارسها ثم التحق بجامعة رايدر في الولاية نفسها وتخرج منها حاملا شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية والقانون، ثم التحق بكلية الحقوق في جامعة سيتون هول الشهيرة وتخرج منها عام 2004 يحمل شهادة في القانون مع درجة الشرف. وبعد اجتياز امتحان رخصة الممارسة (امتحان البار) التحق بالقاضي هيرالد فلولا لفترة التدريب المطلوية ومدتها سنتان. وبعد ذلك عمل مدعيا عاما لماقطعة إسيكس لمدة سنتين ثم فتح مكتبه الخاص عام 2008 في مدينة باترسون التي تغيرت كثيرا مع منتصف الثمانينات حيث شهدت زيادة عالية جدا في السكان العرب، وخاصة من الفلسطينيين، والمسلمين الأتراك. وتم تعيين عبد المجيد عام 2014 قاضيا في المدينة عندما كان رئيس البلدية من أصول لاتينية ثم عين مؤخرا قاضي قضاة المدينة ورئيس البلدية من أب لبناني وأم سورية.
* في البداية أود أن تقدم نفسك للقراء وتحدثنا عن ارتباطك بجذورك الفلسطينية.
** أنا من هذه البلاد. ولدت في مدينة دنفر بولاية كولورادو. لكنني نشأت في بيت فلسطيني مئة في المئة. سواء من حيث الثقافة أو اللغة أو العادات أو التقاليد أو الطعام. جاء أبي من بلدة دير دبوان وكان يكد ويجتهد ليس فقط لإعالة ثمانية أطفال بل لمساعدة إخوته وأخواته في فلسطين شأنه شأن معظم الفلسطينيين. إضافة إلى بيئة البيت زرت فلسطين أربع مرات ثم انضممت لجمعية دير دبوان الخيرية والتي أتاحت لي فرصة أكبر للتعرف على أولاد بلدي في المهجر والتفاعل مع قضايا البلدة والمساهمة في مشاريع تطويرها ومساعدة طلابها ومدارسها وعياداتها. حتى أثناء طفولتي في باترسون انضممت إلى مركز متواضع للجالية الفلسطينية حيث تعلمنا القراءة والكتابة باللغة العربية وتعلمنا الدبكة الفلسطينية وتلقينا دروسا في تاريخ فلسطين وجغرافيتها وتعلمنا على أيادي نشطاء الجالية الكثير. نشأت في بلدة باترسون التي تضم جالية فلسطينية كبيرة وعمل رئيس البلدية السابق خوزيه توريس توأمة مع مدينة رام الله بحضور المحافظ ليلى غنام وهي بالمناسبة من بلدة دير دبوان. إذن نشأت في بيئتين متكاملتين، أمريكية وفلسطينية. كان والدي، أطال الله في عمره، يؤكد على أولاده دائما أهمية الهوية الفلسطينية وأهمية متابعة ظروف الوطن الواقع تحت الاحتلال. وأنا أستطيع أن أقول إنني نتاج هذه البيئة الثنائية بين كوني أمريكيا وفلسطينيا في الوقت نفسه. ولم أجد تناقضا بين الهويتين.
* ما معنى قاضي قضاة في المنظومة القضائة في باترسون؟
** قاضي القضاة وظيفة معنية بمراقبة سير المحاكم في المدينة بشكل يومي بكافة تفاصيل عمل المحاكم. ومنظومة محاكم باترسون ثالث أكبر منظومة في الولاية وبها ستة قضاة و36 موظفا مساعدا وعدد من المدعين العامين وعدد آخر من الكتاب ليصل المجموع إلى 50 موظفا. أي أنني سأكون مسؤولا عن هذه المنظومة القضائية بكاملها ومراقبة سير عملها يوما بيوم.
* التعيين لهذا المنصب الرفيع انتشر بشكل كبير في وسائل التواصل الاجتماعي في العالم العربي وخاصة في فلسطين مبرزين أهمية أن يعين فلسطيني لأول مرة في منصب قاضي قضاة. هل ترى أن هذا التعميم والإشهار في مكانه؟ وهل توافق على أن هذا التعيين يساهم في مكافحة الصورة النمطية للفلسطينيين والعرب والمسلمين في الولايات المتحدة؟
** حقيقة فوجئت بهذا الزخم الذي رافق تعييني قاضي قضاة باترسون. فأنا آت إلى الوظيفة من خلفية المحاكم والقضاء. أي أنها خطوة مهمة لكن سبقتها خطوات متتابعة. فمن خلال سمعتي وخبرتي العريقة تم اختياري للمنصب. وقبل أن أقبل الوظيفة عرضت بعض الأفكار والمقترحات التي أنوي إدخالها على نظام المحاكم. وعندما تم الترحيب بمقترحاتي قبلت الوظيفة. فباترسون مدينة كبيرة بحاجة إلى تعديلات إيجابية في نظام القضاء وانا لدي رؤيا لهذا التغيير الإيجابي. لم أتوقع كل هذه الحملة الكبيرة فأنا لست من متابعي وسائل التواصل الاجتماعي فليس لدي حساب فيسبوك ولا إنستغرام. لكن هذا الترحيب يعكس شعور الفلسطينيين بالفخر عندما يحقق فلسطيني أو فلسطينية مكانة مرموقة في ميادين الطب والعلوم والقضاء خاصة إذا كان هذا الموقع الرفيع يصل إليه الفلسطيني لأول مرة كما حدث مع عضوة مجلس النواب رشيدة طليب. فكون منصب رفيع مثل قاضي قضاة يصل إليه فلسطيني لأول مرة جعل كل الفلسطينيين يشعرون بالفخر والاعتزاز.
* ألا ترى أن توقيت التعيين جاء في وقت يحاول البعض أن يشيطن الفلسطينيين ويتهمهم بشتى التهم ويحاول أن يتجاهل حقوقهم؟ ألا ترى أن التوقيت مناسب كنوع من الرد على تلك الأصوات؟
** أعتقد أن تحليلك سليم. لكنني قبلت الوظيفة لأنني عرضت رؤياي وتم قبلولها. كما أن لي علاقات عميقة مع مدينة باترسون. فالمدينة بيت لجالية عربية وفلسطينية كبيرة. نشأت وكبرت فيها وأنا أشعر بالفخر ليس فقط لأنني فلسطيني وأخذت هذا المنصب بل لأن لدي خطة للمدينة ورؤيا واعتقد أنني مؤهل لهذا المنصب وسأكون فخورا أكثر عندما أرى تلك الإصلاحات تتجسد على الأرض. وإذا ما ما قام بهذه الإصلاحات وهذا التغيير الإيجابي القاضي عبد المجيد، الإنسان الفلسطيني فسيكون مصدر فخر مزدوج. لم أتوقع هذا الاهتمام الكبير ولم أطلبه إنما جاء بشكل طبيعي وتوقيته كان مناسبا.
* كذلك وجود رئيس بلدية لمدينة باترسون من أصول عربية يضيف بعدا آخر للمنصب. باترسون أصبحت نموذجا للتأثير العربي في السياسات المحلية. أتتفق مع هذا البعد؟
** نعم في هذه المدينة عدد من الرسميين المنتخبين من أصول عربية. عدا عن أندريه صايغ، رئيس البلدية، هناك علاء عبد العزيز انتخب لعضوية مجلس المدينة، وهو أول فلسطيني ينتخب في مجلس مدينة كبيرة مثل باترسون. وعندنا فهيم عبد ربه فلسطيني منتخب في مجلس التربية والتعليم لمدينة كلفتون الملتصقة والمتداخلة في باترسون، وهناك أعداد مهمة من الجيل الجديد الذي ولد في هذه البلاد بدأ يشارك ينتخب ويُنتخب. نحن جئنا من خلفيات متواضعة وعادية. لسنا من عائلة كنيدي أو بوش. بعملنا وجهدنا واجتهادنا وصلنا إلى هنا. فالمجال مفتوح لمن يريد أن يعمل ويجد ويجتهد.
* هل تعتقد أن هذا الجيل الذي تنتمي إليه هو الذي سيحقق الاختراق وينتصر على الصورة النمطية السلبية للعرب والمسلمين في الولايات المتحدة؟ هل ترى ضوءا في نهاية النفق؟ هناك من وصل إلى الكونغرس من أبناء هذا الجيل ومن نجح في الإعلام والأعمال التجارية والسينما. هل نحن على أبواب الاختراق؟
** أعتقد ذلك. إنها خطوات على الطريق الصحيح. هناك العديد من أبناء هذا الجيل حقق ذاته في ميادين الطب والهندسة والمحاسبة والإعلام والأعمال التجارية والقانون وأجهزة الدولة. نحن نتحرك ببطء، خطوة خطوة نحو مواقع قيادية. وهذا هو المطلوب. لكن الحقيقة أننا ما زلنا في الصفوف الأخيرة قياسا للأقليات الأخرى. لكن هذه هي البداية. وما تقوله صحيحا حول إمكانات هذا الجيل المثقف الواعي، المهني والذي بدأ عملية التغيير والاختراق وهي علامات فارقة تبشر بالمزيد.
* هل ترى أن جيلك هو من سيثبت بأنه يستطيع أن يكون أمريكيا حقيقة ومخلصا لتراثه وخلفيته الثقافية ومعتقداته؟ هل تستطيع أن تجمع بين الإثنين: أن تكون أمريكيا مخلصا لأمريكا وفلسطينيا مخلصا لفلسطين؟
* بالتأكيد. لست أنا وحدي بل ينطبق على جيل كامل. فكلما رأى الأمريكيون عناصر عربية في مواقع قيادية لا فرق بين محمد وجون أو علي ووليم، كلما تحسنت الصورة. ربما نقوم بأعمال أمريكية أكثر من الأمريكي العادي، نمارس الرياضة ونلعب كرة سلة وكرة قدم ونشتري بيوتا ونحب الفن ونشاهد الأفلام السينمائية وهذه الأعمال من شأنها أن تثقف الأمريكيين عنا أكثر من المحاضرات. نحن نريد أن يرانا الآخرون كأناس عاديين لا نختلف عنهم. هذا هو الجيل الذي سيغير الصورة. وللعلم فإن غالبية الأمريكيين هكذا لكن يوجد بعض جيوب الجهل التي لم تختلط بالآخرين ولم تتعامل مع الأقليات فتتكون لديهم أفكار خاطئة. ولا أريد أن أصنف موقعي كإنجاز فردي بقدر ما هو إنجاز جماعي للأقلية العربية التي بدأت تفرض وجودها على الخريطة السياسية والاجتماعية في هذه البلاد. سيبقى هناك من لا يحسنون النظر إلى المختلف عنهم لونا وملامح وخلفية وعِرقا لكن لايلبث هؤلاء أن يعدلوا الصورة النمطية عندما نتبوأ مواقع قيادية ونتقن عملنا ونتعامل مع الجميع بطريقة إيجابية. ولكلما زاد التنوع العرقي والثقافي والاجتماعي كلما زاد تقبل تلك الجيوب المنغلقة للآخرين.
* مع أن أمريكا بلد التنوع بسبب الهجرة، إذ إنها بلد المهاجرين، إلا أن هناك من يرى أنها ملك لفئة معينة وعرق معين ولون معين، ماذا يقول القانون في هذا؟ كيف نرد على من يريد تهميش العرب والمسلمين ويدعو من لا يحب هذه البلاد بالعودة إلى بلادهم؟
** لا أريد أن أدخل في تفسير قانوني للدستور. لكن القانون يحمي حرية التعبير ويحمي كل فرد من التمييز القائم على الأصول والعرق واللون والدين والسياسة. حقوقنا متساوية والقانون يحمينا كلنا. والقانون يحمي أيضا حرية التعبير وحرية التجمع وحرية التفكير. والقانون كذلك يحمي أصحاب الأفكار التي نختلف فيها معهم. فالقانون يحمي ما نراه جيدا وما قد نراه سيئا أو مختلفا عن أفكارنا. فمثلا من حق المتعصبين للعرق الأبيض أن يعبروا عن آرائهم بحرية تحت بند حرية التعبير لكن لا يحق لهم تجاوز الخط الأحمر. أي التهديد والتحريض وممارسة العنف أو إلحاق الأذى بالآخرين يتدخل هنا القانون ويعاقبهم على انتهاكه. علينا أن نبقى متيقظين ومتسامحين. لكن من حقنا أن نقف ضد التمييز وأن نواجهه بالقانون. لا أحد عانى من التمييز مثل الأمريكيين من أصول أفريقية وكان التمييز مقننا. انظر كم من الوقت أخذهم حتى يرفعوا عنهم نير التمييز. لقد كان القانون يحمي التمييز. وقام الأفارقة بنضال سلمي طويل حتى نبه الجمهور العريض بالظلم الذي لحق بهم حتى بدأت الصورة تتغير.
* لقد تعاظم العنف ضد الأقليات في السنوات الأخيرة. استهدفت دور العبادة للمسلمين والمسيحيين واليهود. استهدفت المدارس والجامعات. فكيف يمكن مواجهة هذه الحالة المتصاعدة؟
* يجب أن نلجأ إلى الجهات الرسمية المكلفة بتنفيذ القانون أولا مثل الشرطة وقوات الأمن والأجهزة الاستخباراتية. فعلاقتنا هنا مع كافة الجهات المكلفة بإنفاذ القانون جيدة. هؤلاء يحترموننا ويضعون سلامتنا في حساباتهم دائما. لكن علينا أن نظل متنبهين وألا نأخذ الأمور باستخفاف. فإذا ما شاهدنا مصدر تهديد فعلينا أن نتحرك فورا لإبلاغ السلطات المعنية. بعض الفئات تشعر بالقوة الآن وترى أنه يمكن أن تأخذ القانون في أيديها. وهذا غير صحيح. قد نكون مستهدفين من بعض الفئات فعلينا أن نقوم بإخبار الجهات المعنية فورا وأن نتعاون مع الجهات الرسمية والمجتمعية لحماية الأبرياء من الجالية العربية /المسلمة أو غيرها. وإذا كنت تعرف أنك على حق وأنك تتصرف ضمن القانون فلا تتردد في ممارسة حقوقك. سيظل هناك أفراد وجماعات تميز ضدك كما هو الحال مع إلهان عمر أو لندا صرصور، إحدى الناشطات في بروكلين بنيوورك. لكن يجب أن نقف بقوة وندافع عن حقوقنا التي يكفلها الدستور.
* كيف يمكن أن نبني على الانجازات التي قام بها هذا الجيل للاستمرار في مكافحة الصورة النمطية. هل يتم بالمشاركة في الانتخابات المحلية؟
* أقول إبدأ من الصغر. ابدأ مبكرا. مارس حقوقك. شارك في الانتخابات. كان أبي لا يشارك في الانتخابات. بعدما كبر أولاده أصبح متمسكا بممارسة التصويت. أخي حمزة منتخب أيضا في مدينة نورث بيرغن. على العرب أن يخرجوا إلى الشارع ويشاركوا في التصويت. كثيرون من أبناء بلادنا يحبون أن يأتوا إلى هذه البلاد. فكما أنهم يستفيدون من وجودهم هنا فعليهم أن يشاركوا في الحياة السياسية. يجب ألا يضيعوا الفرص. يجب ألا يقولوا لا أمل في التغيير بل العمل على المشاركة. فإذا لم يشارك في التصويت إلا 300 من أصل 3000 فلا أحد يأخذنا بجدية. التصويت أصبح سهلا ويمكن القيام به من البيت وحتى قبل شهر من الانتخابات. لا مبرر للانكفاء وقول “لا أمل” بل الأمل يأتي مع النضال المتواصل. وكفلسطينيين يجب أن نتعلم من تجربة شعبنا أن النضال لتحقيق الأهداف يجب ألا يتوقف إلا عند تحقيقها.
المصدر : القدس العربي
