
إلى تلك اللحظة، كانت معظم الرسائل التي تلقتها تدور حول شيء واحد: المضي قدما، "سيحدث الحمل مجددا" و"كل شيء يحدث لسبب" و"على الأقل أنتِ قادرة على الحمل". لا أحد تعامل مع ما جرى بوصفه فقدانا حقيقيا، بل مجرد "حدث طبي" ينبغي تجاوزه بسرعة.
هذا المشهد، الذي أوردته مجلة "تايم" الأمريكية في تقرير حديث عن فقدان الحمل، يلخص خطأ شائعا حين نحاول مواساة من تمر بهذه التجربة، فنركض إلى "إصلاح" الألم بدلا من الاعتراف به. فيما يلي ما يقترحه خبراء في الصحة النفسية وتجارب نساء فقدن الحمل، حول ما يمكن قوله وما يستحسن تجنبه، مع الإشارة إلى ما توضحه مؤسسات طبية عن طبيعة هذه التجربة.
لماذا يصعب الحديث عن فقدان الحمل؟
يصف بعض المتخصصين فقدان الحمل بأنه "صدمة صامتة"، حيث لا جنازة ولا طقوس عزاء ولا جملة جاهزة نكتبها في رسالة تعزية.
كثير من حالات الإجهاض -كما تشير "مايو كلينك" وغيرها من الهيئات الطبية- ترتبط باضطرابات صبغية في الجنين لا دخل للمرأة فيها، ومع ذلك تشعر كثيرات بالذنب وتعيد كل واحدة داخلها قائمة: "لو أنني لم أفعل كذا، لو أنني ارتحت أكثر، لو لم أتناول هذا الطعام…".
وعندما تقال عبارات من نوع: "ربما لم يكن الوقت مناسبا" أو "ربما لم يكن جسدك مستعدا"، نكون -من حيث لا ندري- نكرس هذا الشعور بالذنب بدلا من تخفيفه.
ثمة جانب آخر لا نراه غالبا، فالمرأة لا تفقد "حملا" فقط، بل تفقد مستقبلا كانت قد بدأت تخط ملامحه، من غرفة الطفل إلى مقعد الحضانة وتفاصيل اليوميات مع القادم الجديد.

لا تحتاج من فقدت حملها إلى كلمات سحرية، بل إلى من يعترف بخسارتها ويترك لها مساحة للحزن (شترستوك)
5 جمل شائعة.. تؤذي أكثر مما تواسي
بحسب تقرير "تايم"، فإن أكثر ما يجرح من فقدت حملها ليس صمت الآخرين فقط، بل أيضا العبارات التي تقال بحسن نية، لكنها تأتي في التوقيت الخطأ وبالكلمات الخطأ. من العبارات التي ينصح بتجنبها:
-
"حاولي مرة أخرى"
لا أحد يعرف هل تستطيع صاحبة التجربة أصلا أن تحاول مجددا، طبيا أو ماليا أو نفسيا. بعض الحالات تحتاج طبيا إلى فترة انتظار قبل أي حمل جديد، وأخرى تكون قد استنفدت بالفعل فرص علاجات الإخصاب، أو لا تملك القدرة على تكرار رحلة العلاج.
-
"على الأقل كنتِ في مرحلة مبكرة"
وكأن الألم يقاس بعدد أسابيع الحمل. هذا التعليق يحول ما جرى إلى شيء "صغير" لا يستحق كل هذا الحزن، ويقلل من شعور صاحبة التجربة بأنها خسرت طفلا كان يمكن أن يصبح جزءا من حياتها.
-
"على الأقل لديكِ طفل آخر"
تشبّه بعض النساء هذه الجملة بقول: "على الأقل لديكِ والد آخر" لمن فقدت أمها. وجود طفل لا يلغي فقدان طفل آخر كان منتظرا، وكل علاقة تحمل مشاعرها الفريدة.
-
"كل شيء يحدث لسبب" أو "هذه إرادة الله، لا تعترضي"
المعنى الديني قد يكون مصدرا للتعزية لبعض الناس، لكن لا أحد يعرف شكل صورة الله في وجدان الشخص المتألم في تلك اللحظة. ربط الفقد بتفسير جاهز أو بخطة غيبية قد يجعل صاحبة التجربة تشعر بأن حزنها "قلة إيمان"، أو أنه غير مسموح لها بالسؤال والوجع.
-
القفز إلى "خطط" جديدة
"هل فكرتِ في التبني؟ في الأم البديلة؟ في أطفال الأنابيب؟"، كل خيار من هذه الخيارات يحمل أعباء نفسية ومالية وجسدية معقدة. طرحها مباشرة بعد الفقد قد يضيف ضغطا جديدا على من تحاول فقط أن تلتقط أنفاسها، قبل التفكير في أي خطوة تالية.

بعض الجمل التي نقولها بحسن نية تتحول إلى سكاكين صغيرة في قلب من فقدت جنينها (شترستوك)
ما الذي يمكن أن نقوله فعلا؟
لا أحد يتوقع منك كلمات سحرية تزيل الألم، المطلوب -كما يشير خبراء النفس الذين تحدثت إليهم "تايم"- أبسط بكثير وهو أن نعترف بالخسارة وأن نترك مساحة للحزن ولا أن نغلق الباب بجملة سريعة. من العبارات التي يمكن أن تساعد:
- "أنا آسفة جدا لما حدث": جملة مباشرة وصادقة، لا تحاول تفسير الفقد ولا تزيينه.
- "أنا هنا من أجلكِ متى أحببتِ الحديث": تبقي الباب مفتوحا من دون ضغط أو إلحاح على الكلام.
- "أعرف أن اليوم صعب، وأفكر فيكِ وفي طفلكِ": تعترف بأن ما جرى ليس مجرد إجراء طبي، بل فقد لطفل كان جزءا من المستقبل المتخيل.
- "لا أعرف تماما ما يمكن أن أقوله، لكنني أحبكِ ولن أختفي": أحيانا يكون الاعتراف بالعجز عن إيجاد الكلام أصدق من جملة مواساة متكلفة.
بعض النساء ذكرن في مقابلات مع "تايم" أن أكثر ما واساهن كان رسالة بسيطة تقول: "أريدك أن تعرفي أنكِ أُم". مجرد الاعتراف بأمومتها -حتى لو لم تحمل طفلها بين ذراعيها- منحها شعورا بأن ما عاشته حقيقي ومفهوم، لا قضية عابرة تطوى بالصمت.

أحيانا يكون قول: لا اعرف ماذا اقول، لكنني هنا من أجلك؛ أصدق من ألف نصيحة (شترستوك)
لا تقل "اتصلي إذا احتجتِ شيئا".. بادر أنت
عرض المساعدة بصيغة عامة من نوع: "أخبريني إن احتجتِ شيئا" قد يحمّل الشخص المتألم عبئا إضافيا، عليه الآن أن يقرر ماذا يريد وكيف يطلب ومتى.
الأقرب إلى روح الدعم أن تبادر أنت بخطوات واضحة، مثل:
- إرسال وجبة جاهزة أو ترتيب توصيل طعام، بدلا من سؤال: "ماذا أطبخ لكم؟".
- عرض المساعدة في ترتيب البيت أو إعادة تغليف هدايا الطفل التي وصلت بالفعل.
- تفقّدها بعد أسابيع وأشهر، لا في الأيام الأولى فقط، فرسالة في موعد كان متوقعا للولادة أو في أول عيد أم بعد الفقد، قد تخبرها بأنها لم تُنسَ.
إحدى النساء روت أن صديقة حولت لها ثمن قهوة مع رسالة قصيرة: "فكرت فيكِ هذا الصباح". تقول إنها لا تزال تتذكر تلك اللفتة بعد سنوات.

رسالة مباشرة إلى الزوج قد تخفف عنه شعورا خفيا بأن حزنه غير مرئي (شترستوك)
لا تنسَ الزوج
في كثير من الحالات يُرى الزوج وكأنه "مرافق" لا صاحب فقد، "إنه طفله أيضا" -كما تذكّر اختصاصيات في علاج الصدمات- لكن كثيرا من الأزواج يشعرون بأن عليهم أن يكونوا "القوي" الذي يساند فقط ولا يحق له الانهيار.
رسالة مباشرة إلى الزوج أو سؤال بسيط: "كيف حالك أنت؟"، قد يخفف عنه شعورا خفيا بأن حزنه غير مرئي، ويخفف عن الأم أيضا شعورها بأنها مسؤولة عن حمل ألم الجميع وحدها.
ما الذي يبقى في النهاية
لا تحتاج من فقدت حملها إلى قصص عن أشخاص "مروا بخمس إجهاضات ثم أنجبوا ثلاثة أطفال" ولا إلى خطب مطولة عن الأمل والصبر، بقدر ما تحتاج إلى شيء واحد: أن يُعترف بخسارتها وأن يسمح لها بالحزن من دون استعجال لموعد التعافي.
في عالم يميل إلى كنس أحزان فقدان الحمل تحت سجادة "سيحدث لاحقا"، قد تكون أكبر هدية تقدمها هي أن تظل حاضرا، بكلمات قليلة صادقة تقول: "أنا أراكِ، وأحزن معكِ، ولن أجبركِ على التماس عزاء لم يحن وقته بعد".
