الرئيسية » تقارير نسوية » نساء فلسطينيات »  

قاهرة السعدي تستعيد ذكريات رمضان في غياهب الأسر بعد 10 أعوام من الحرية
30 آذار 2022

 

جنين- نساء FM- بعد عشر سنوات من تنسمها عبير الحرية، تشعر الأسيرة المحررة قاهرة سعيد السعدي “ام محمد”والتي تبلغ 44 عاماً، بفرحة وغبطة كبيرة، وهي تستقبل شهر رمضان المبارك مع أسرتها في مخيم جنين، بعد سنوات من الألم والمعاناة وحرمان الاحتلال لها بعد اعتقالها في مدينة القدس بتاريخ 22/2/ 2002.

وكبقية النساء الفلسطينيات، تنهمك قاهرة في هذا الوقت للتحضير لشهر رمضان وطقوسه التي حرمها الاحتلال منها على مدار السنوات التي قضتها في غياهب السجون، بعدما حوكمت بالسجن المؤبد 3 مرات اضافة لــــ85 عاماً.

وتختلف حياة قاهرة بين الأسر والحرية خاصة مع حلول شهر رمضان المبارك، وتقول ” كل شيء مختلف وأجمل، خاصة تذوق لذة وبهجة رمضان، فكل الكلمات تعجز عن وصف مشاعر ي وأنا استقبله في منزلي وسط أبنائي ولم شمل العائلة “،مضيفة “عندما تحررت كنت أماً لأربعة أطفال، واليوم أصبحت جدة لـــ 8 أحفاد، أشكر رب العالمين الذي كرمني بالحرية لأعيش حياة كنت أعتقدها أحلاماً، فلا يوجد أجمل من اجتماع الاحبة واللمة على موائد رمضان، وهذه دعواتي الدائمة لكل الأسيرات والأسرى “.

رغم مرور السنوات، فان الأميرة السابقة لأسيرات حركة الجهاد الاسلامي ، قاهرة السعدي، ما زالت تتذكر كل محطات الصبر والصمود والوجع خلف القضبان ، وتقول ” في المناسبات لم يكن هناك سوى الوجع والقهر والألم، خاصة في رمضان والأعياد، كنا صابرات ونفخر بما قدمناه من واجب لاجل شعبنا وارضنا ، لكن نحن بشر ويكبر ألمنا من قهر الفراق “، وتضيف ” كنت أبكي طوال رمضان لشوقي لأطفالي وحرماني منهم وعدم قدرتي على عناقهم، الجلوس معهم وتحضير افطارهم أو سحورهم .. وأفكر كل لحظة كيف يصومون وينامون، متمنية أن أكون معهم ، فاستجاب الله لدعواتي والتقينا رغم أنف الاحتلال من جديد “.

تروي قاهرة، أن التحضيرات لاستقبال رمضان في السجون الاسرائيلية، كانت تبدأ قبل أسبوع، حيث تجتمع ممثلات الأسيرات عن كل تنظيم، ويتم إقرار كافة الأنشطة والفعاليات، والتنسيق لبرنامج خاص ومميز، تتسابق فيه الأسيرات على حفظ القرآن وختمه، إضافة لبرامج ثقافية ودينية كثيرة، تقوم فيها الأسيرات بالتحضير لها مع توزيع جوائز تحفيزية وتشجيعية للأسيرات.

وتتابع “رغم المنغصات والحزن والذكريات، كانت الأسيرات تستقبل رمضان بأجواء وروح دينية وايمانية وسط الطقوس الدينية على مدار الوقت”، وتقول قاهرة “فرحتنا ومشاعرنا لم يكن لها مثيل باستقبال الشهر المميز والفضيل، نعيشه داخل السجون بحب وامل وانتظار ليتجدد دائما الدعاء لله والتوسل فيه للافراج من هذه المقابر التي يدفن فيها أحرار فلسطين”.

أما على صعيد الطعام، أوضحت قاهرة، أن التجهيزات تبدأ قبل أسبوع، لأن طعام السجن الذي تقدمه الإدارة لنا سيئ للغاية، ولم يكن صالحاً لتناوله، فكنا نضطر لاستلام طعام الإدارة ولكننا نعيد طهيه مرة ثانية أو اتلافه في كثير من الأحيان، مضيفة “لنعيش ونحافظ على صحتنا وحياتنا، كنا مرغمات على شراء ما تسمح الإدارة بتوفيره وبيعه في الكانتينا، وكانت هناك قائمة طويلة من الممنوعات خاصة الخضار بكافة أنواعها، بينما المشتريات غالبيتها معلبات مثل البازيلا والفاصولياء والعدس والرز “.

تفننت الأسيرات في تحضير وجبات الافطار ، رغم المواد الشحيحة، وما زالت تتذكر قاهرة الطعام الرائع المذاق رغم الحرمان والذي كان يصنع بايدي الأسيرات، وتقول ” في داخل الغرف، كنا نصنع الطعام بأنفسنا من المقتنيات التي يتم شراؤها من الكنتينا، والجميع يتنافس لتقديم طعام شهي ولذيذ لتشعر الأسيرات بمذاق رمضان وتحدي الاحتلال وسياساته للتنغيص علينا بحرماننا من الكثير من احتياجات الشهر المبارك “.

وتضيف ” لم يكن لدينا معدات وإمكانيات، ولكن كنا نصنع الحلويات بانفسنا من ابتكار الاسيرات، فكنا نصنع القطايف ونجهزها من استخدام “لب” الخبز الذي يصلنا من الادارة، نكرر عجنه ونصنع منه القطايف “، وتكمل ” من ابتكارات الأسيرات، صناعة الكنافة من الشعيرية الحلوة، تيمناً بالكنافة الخارجية والتي يشتهيها الأسرى والاسيرات، وبالرغم من انها بسيطة، إلا أنها كانت تعطينا فرحة بانجازاتنا داخل السجون وتحدينا للسجن وإدارته التي لاتقدم لنا أي شيئ بعملية الطبخ، سوى بلاطة صغيرة في كل غرفة “.

تتذكر الحرة قاهرة، أن إدارة السجون لم تكن تقدم للأسيرات أي تسهيلات خلال شهر رمضان، وإنما تنفذ إجراءاتها وسياساتها التعسفية من تفتيشات ومداهمات ومضايقات واستفزاز بشكل يومي، وتقول ” لم تختلف سياساتها وتعاملها معنا، فالإدارة لا تفرق بين رمضان وعيد، وهناك سياسة ممنهجة للاستفزاز والقمع والحرمان والعقاب “، لكن ذلك ، كما تقول ” لم ينال من عزيمتنا ومعنوياتنا ، وكان يعطينا طاقة كبيرة جداً، للصمود والتحدي، وتضيف “من قوانين الادارة التعسفية لتنغيص فرحتنا، منع تجمع الأسيرات معاً أثناء الافطار أو بعده وحرماننا من تبادل الزيارات، لكن كان هناك صمود وتحدي كبير في خوض كل المعارك ضد هذه الادارة حتى نستطيع العيش بكرامة رغم محاولاتهم دفن ارواحنا في هذه المقابر “.

أما عن أجمل اللحظات في السجن، تقول قاهرة ” فترة صلاة التراويح التي تعتبر وقت مميز ومناسبة دينية هامة، وبعد الصلاة، تعقد حلقات الذكر والاستغفار بكل انواعه، إضافة للبرامج الخاصة والدروس الدينية وحفظ الأحاديث النبوية، والأنشطة الترفيهية في مسابقات خاصة، كانت أجواءً جميلة نحن نصنعها ويكون تاثيرها جميل جداً “، وتضيف ” كنت كأم موجوعة، أجلس دائماً أحمل صور أطفالي وأبكي، وأتحدث معهم، فقد كان يقتلني الشوق والحنين لضمهم وتقبيلهم ورؤيتهم”، وتكمل ” كنت اجلس بالساعات على سريري، أشكوا همي وحزني الى الله واتضرع له ان يعيدوني اليهم قريبا، أبكي بمرارة وحرارة وشوق على أن يزول هذا الوجع والألم لفراقي عنهم”، وتستدرك “لم ينقطع املي ابداً ويقني بالله .. رغم حكمي الكبير.. بأن أعود اليهم، والحمد الله استجاب وتحررت وقضيت معهم 10 رمضانات محت من عمري 10 سنوات قضيتها بعيدة عن ضمهم واحتضانهم والجلوس معهم وتناول طعامي معهم”.

تكثر وتتعدد الصور والمواقف في مخيلة وذاكرة قاهرة التي تتحدث بفخر واعتزاز عن العلاقات الاخوية التي ربطت بين الأسيرات، وتقول ” جمعتنا علاقات قوية وتقاسمنا الهموم والفرح والصمود والتحدي، وعشنا كأسرة واحدة، وعندما تتعرض أسيرة لمصاب جلل كالفقدان ، نقف معها لمواساتها وفتح بيت عزاء “، وتضيف ” أكثر وقت كنا نبكي فيه خلال ساعات الليل ، عندما تتجمع الافكار وذكريات الأهل والاولاد ، عندما تجلس كل أسيرة على سريرها وتفتقد لأولادها وكل شيء يخصها بالخارج “، وتكمل ” فرحتي ستبقى منقوصة وهناك غصة غصة كبيرة في قلبي لوجود الاف الاسرى والاسيرات والاشبال خلف قضبان الحديد ومازالوا يعانون الامرين داخل هذه المقابر المدفونة فيها اجسادهم الحرة “.

وفي النهاية قالت المحررة قاهرة “نحن معهم ولن ننساهم من دعواتنا خاصة على أبواب شهر رمضان ليجمع ربنا شملهم مع أولادهم وزوجاتهم في رحاب الحرية وأناشد كل انسان والمؤسسات و المسؤولين و التنظيمات .. أن تكون قضية الأسرى أولى أولوياتهم والعمل بكل الطرق لينالوا حريتهم”.

المصدر : ” القدس” دوت كوم- علي سمودي