تسريب الأراضي في أريحا.. عقود مشكوك فيها وحقوق مقدسيين في مواجهة قرارات المنع
رام الله-نساء FM- آآية عبد الرحمن:تتجاوز قضية دخول مستوطنين إلى منازل في مدينة أريحا، مسألة الادعاء بتسريب عقارات بموجب عقود رسمية، لتفتح ملفاً أكثر تعقيداً يتعلق بحقيقة ملكية الأراضي، وسلامة إجراءات البيع، ومخاطر تزوير الوثائق وتسريب العقارات الفلسطينية. وفي موازاة ذلك، أثار قرار وقف معاملات تسجيل الأراضي للفلسطينيين حملة الهوية المقدسية جدلاً قانونياً وحقوقياً، وسط تحذيرات من أن تتحول إجراءات مكافحة التسريب إلى قيود تمس حقوق المقدسيين في التملك والتصرف بأملاكهم.
وتتقاطع القضية في جانبها القانوني عند مسألتين أساسيتين: مسؤولية الجهات المعنية عن حماية الملكيات الفلسطينية وملاحقة عمليات التزوير والاحتيال، وحدود الإجراءات التي يمكن اتخاذها لمنع تسريب الأراضي دون المساس بحقوق المواطنين أو وضع فئة كاملة منهم في دائرة الشبهة.
القانون الدولي لا يعترف بشرعية تغيير واقع الملكية تحت الاحتلال
أكد المدير العام لمركز القدس للمساعدة القانونية، عصام العاروري، أن القانون الدولي الإنساني، بوصفه الإطار القانوني الناظم للأراضي الواقعة تحت الاحتلال، يحظر على دولة الاحتلال وسكان الإقليم المحتل تغيير واقع ملكية الأراضي في المناطق المحتلة، مشدداً على أن عمليات البيع التي يجري الحديث عنها لا تمنح المستوطنين حقاً قانونياً بالملكية وفق أحكام القانون الدولي الإنساني.
وأوضح العاروري أن الإشكالية لا تقتصر على المبدأ القانوني، بل تمتد إلى طبيعة عمليات البيع المزعومة، التي شهدت حالات سابقة شابتها أشكال متعددة من التزوير، شملت الوثائق والوكالات، بما في ذلك استخدام وكالات بأسماء أشخاص متوفين منذ عقود، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن الجهات التي تحتفظ بسجلات الأراضي، ومدى مسؤوليتها عن منع هذه التجاوزات أو تسهيلها.
وأشار إلى أن بعض حالات التزوير التي كُشف عنها لم تتبعها إجراءات ملاحقة ومحاسبة كافية، لافتاً إلى وجود كتاب عدل ومحامين، قال إن بعضهم يمتهن تسهيل عمليات التزوير، ما يستدعي تعزيز الرقابة والمساءلة وملاحقة كل من يثبت تورطه في الاعتداء على الملكيات الفلسطينية.
وفيما يتعلق بادعاءات الجمعية الاستيطانية شراء المنازل بموجب عقود رسمية، قال العاروري إن هذه الادعاءات لا يمكن التعامل معها باعتبارها حقائق ثابتة، في ظل عدم عرض العقود بصورة تتيح التحقق منها، وعدم توافر معلومات مؤكدة بشأن هوية البائعين، أو امتلاكهم العقارات التي يدّعون بيعها، أو ما إذا كانت ملكيتهم حصرية أم مشتركة مع ورثة آخرين.
وضرب مثالاً على تعقيدات الملكية، موضحاً أن بعض الأراضي تكون مسجلة باسم الجد أو جد الأب، ثم تتوزع حقوق الإرث عبر أجيال متعددة، لتصل في بعض الحالات إلى خمسين أو ستين وريثاً. وقد يقدم أحد الورثة على بيع حصته، التي قد لا تتجاوز بضعة أمتار، بينما يجري التصرف بمساحات أكبر بكثير، دون أن يمتلك البائع الحق القانوني في بيع كامل الأرض.
تعقيدات التسجيل وتداخل الورثة تفتح الباب أمام التلاعب
ولفت العاروري إلى أن هذه الإشكاليات ترتبط أيضاً بواقع السيطرة الإسرائيلية على إدارة الأراضي الحكومية وسجلاتها في المنطقة المصنفة "ج"، مشيراً إلى أن الوزير الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي تولى صلاحيات إضافية تتعلق بملفات الأراضي، عيّن محامين من التيار الصهيوني الديني، قال إن مهامهم تسهيل إقامة البؤر الرعوية والاستيطانية، وتجريد الفلسطينيين من أراضيهم، وتسريع إجراءات هدم المنشآت، وممارسة التهجير القسري بحق التجمعات البدوية، ولا سيما في المناطق المصنفة "ج".
وأوضح أن قسماً كبيراً من الأراضي في المنطقة غير مطوّب، وتتوزع أوضاعها القانونية بين أملاك حكومية وأراضٍ مسجلة باسم عائلات وحقوق حكر، ما أدى إلى إجراء كثير من عمليات البيع على الشيوع، دون تحديد واضح لحصة المشتري أو موقعها الفعلي على الأرض.
وأضاف أن بعض البائعين استغلوا هذا التعقيد للتصرف في أراضٍ أكثر من مرة، أو بيع حصص لا يملكونها، مشدداً على أن هذا الملف كان يتطلب معالجة مبكرة وإجراءات وقائية تحول دون تفاقم الإشكاليات المرتبطة به.
وبشأن دور السلطة الفلسطينية في متابعة عمليات البيع والتسريب، أشار العاروري إلى أن سلطات الاحتلال جرّدت السلطة الفلسطينية من صلاحيات الموافقة على عمليات البيع في المناطق المصنفة "ج"، كما تخضع سجلات الأراضي في هذه المناطق للسيطرة الإسرائيلية، ما يحد من قدرة المؤسسات الفلسطينية على التدخل المباشر في المعاملات والتحقق من تفاصيلها.
وأكد أن عمليات تسريب العقارات خارج المنطقتين "أ" و"ب" لا تحتاج إلى موافقات من الجهات الرسمية الفلسطينية، وفق ما أوضح خلال اللقاء، معتبراً أن ذلك يفرض ضرورة البحث عن آليات رقابية وقانونية أكثر فاعلية، وملاحقة عمليات التزوير والاحتيال، ومحاسبة كل من يتجاوز على حقوق أصحاب الأراضي.
ولم يستبعد العاروري وجود أشخاص فلسطينيين متورطين في بعض الصفقات المشبوهة، مؤكداً ضرورة تحديد المسؤولية بصورة فردية، والتمييز بين عمليات التزوير والاحتيال وادعاءات الملكية غير الصحيحة والبيع على الشيوع، بعيداً عن تعميم الاتهامات على المجتمع الفلسطيني.
وشدد على ضرورة اتخاذ إجراءات صارمة بحق كل من يثبت تورطه في التزوير أو الاعتداء على حقوق الآخرين، معتبراً أن بيع العقارات للمستوطنين لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد ممارسة لحرية التصرف بالملكية، عندما يؤدي إلى الإضرار بالجيران والمجتمع، ويفتح المجال أمام مجموعات استيطانية تمارس الاعتداءات والتهجير بحق السكان الفلسطينيين.
واستشهد بمثال بيع شقة سكنية لعصابة إجرامية، موضحاً أن حرية الملكية والتصرف والبيع والشراء ليست مطلقة عندما تتحول ممارسة هذا الحق إلى وسيلة للإضرار بحقوق الآخرين وتعريضهم للخطر.
وقف معاملات المقدسيين.. إجراء احترازي أم تمييز يمس الحقوق؟
وفي ملف متصل، أثار قرار سلطة الأراضي الفلسطينية وقف معاملات تسجيل الأراضي للفلسطينيين من حملة الهوية المقدسية جدلاً قانونياً وحقوقياً، وسط اعتراضات على شمولية القرار وتداعياته على حقوق المقدسيين في الملكية والتصرف بأملاكهم، ومطالبات باستبداله بإجراءات رقابية تضمن حماية الأراضي دون المساس بحقوق أصحابها.
واعتبر المحامي المقدسي محمد دحلة أن قرار وقف معاملات تسجيل الأراضي للمقدسيين كان متسرعاً، موضحاً أن الهدف المتمثل في منع تسريب الأراضي للمستوطنين يتفق عليه الجميع، إلا أن الوسيلة المختارة لتحقيقه خاطئة ولا تتناسب مع الأوضاع القانونية.
وقال دحلة إن القرار لا يستند إلى سند قانوني يتيح لرئيس سلطة الأراضي حرمان شريحة كاملة من المواطنين من إجراء معاملاتهم العقارية، مشيراً إلى أن نحو 400 ألف فلسطيني من سكان القدس الشرقية يحملون الهوية الزرقاء، وهم جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، ولهم مصالح وعقارات وأراضٍ ومنازل في مدينة أريحا.
وأوضح أن شريحة واسعة من المقدسيين تمتلك عقارات في أريحا، التي تشكل متنفساً لسكان القدس في ظل ضيق المساحة السكنية والقيود المفروضة على البناء داخل المدينة، إذ تلجأ عائلات مقدسية إلى امتلاك الأراضي والمنازل والشقق والعزب في أريحا، هرباً من الاكتظاظ السكني ومحدودية الخيارات المتاحة في القدس.
وأكد أن القانون الفلسطيني لا يمنح رئيس سلطة الأراضي صلاحية إصدار قرار شامل بوقف المعاملات العقارية لفئة من المواطنين بناءً على مكان إقامتهم أو نوع هويتهم، معتبراً أن وضع جميع المقدسيين في دائرة الشبهة الجماعية يمثل مساساً بحقوقهم وكرامتهم، ويشكل تمييزاً غير مبرر بين أبناء الشعب الفلسطيني الواحد.
حماية الأراضي لا تبرر وضع المقدسيين في دائرة الشبهة
وشدد دحلة على أن منع تسريب الأراضي للمستوطنين هدف مشروع وضروري، خصوصاً أن دخول المستوطنين إلى المناطق الفلسطينية لا يقتصر على السكن، بل يرتبط، بحسب تقديره، بمشاريع استيطانية تستهدف الضغط على السكان المحليين وتهجيرهم، من خلال نشر الخوف والرعب وممارسة الاعتداءات وحرق المنازل ومضايقة التجمعات الفلسطينية.
وأوضح أن المستوطنين الذين يدخلون هذه المناطق يكون وجودهم جزءاً من مشروع استيطاني يهدف إلى السيطرة على الأرض وإخراج السكان منها والتوسع في إقامة البؤر الاستيطانية، مؤكداً أن حماية الأراضي الفلسطينية ومنع تسريبها مسؤولية وطنية لا خلاف عليها.
لكنه أكد أن تحقيق هذا الهدف لا يكون بحرمان جميع المقدسيين من معاملاتهم العقارية، مشيراً إلى أن القرار، حتى لو صدر باعتباره إجراءً احترازياً مؤقتاً، يظل غير قانوني من وجهة نظره، فضلاً عن كونه خاطئاً على المستوى الجماهيري والشعبي، وقد أثار استياءً واحتجاجاً في أوساط المقدسيين.
ولفت إلى أن خطورة القرار تكمن أيضاً في تداعياته على سمعة المقدسيين ومكانة مدينة القدس، إذ شعر كثيرون منهم بالإهانة وسوء التعامل نتيجة وضعهم جميعاً في سلة واحدة، وكأن معاملاتهم العقارية مشبوهة لمجرد حملهم الهوية المقدسية.
وأشار إلى أن الحالات التي تعامل معها خلال سنوات ممارسته العمل القانوني، والمتعلقة بصفقات عقارية مشبوهة، لم تكن بالضرورة مرتبطة بأشخاص من مدينة القدس، بل إن بعض المتورطين كانوا من مناطق أخرى، متسائلاً عن مدى منطقية منع جميع الفلسطينيين من إجراء معاملاتهم العقارية إذا ثبت تورط أشخاص محددين في صفقات مشبوهة.
وحذر دحلة من أن وقف المعاملات بصورة شاملة لا يضر بالمقدسيين وحدهم، بل يمتد أثره إلى المجتمع الفلسطيني والسوق العقارية في أريحا، ويعطل مصالح العائلات التي تمتلك عقارات أو تتوارث الأراضي والمنازل، ويقيد عمليات البيع والشراء المشروعة التي لا ترتبط بأي شبهات أو مخاطر.
التدقيق في كل معاملة بدلاً من وقف المعاملات جماعياً
وفيما يتعلق بالأساس القانوني للقرار، أكد دحلة أن رئيس سلطة الأراضي لا يملك صلاحية منفردة لاتخاذ إجراء بهذا الحجم، وأن سريانه يتطلب تعديلاً في القانون الفلسطيني، معتبراً أن مثل هذا التشريع قد يواجه بدوره إشكالية دستورية إذا تضمن تمييزاً بين المواطنين على أساس الهوية أو مكان الإقامة.
وأوضح أن هناك جهات رقابية وأجهزة مختصة تستطيع مراجعة العمليات العقارية والتحقق من صفقات البيع والشراء قبل المصادقة عليها، من خلال فحص كل معاملة على حدة، والتدقيق في هوية البائع والمشتري، وطبيعة الملكية، والوثائق والوكالات، والبحث عن أي مؤشرات جدية على وجود تزوير أو تسريب.
وشدد على أن المطلوب اعتماد إجراءات تدقيق ومراقبة فعالة تستهدف الصفقات المشبوهة والأشخاص المتورطين فيها، بدلاً من انتظار وقوع عملية التسريب ثم اتخاذ قرار يمنع جميع المقدسيين من شراء العقارات أو إجراء المعاملات في أريحا.
وأضاف أن المجتمع الفلسطيني ليس كبيراً، وأن هناك معرفة اجتماعية بالأشخاص والجهات التي تحوم حولها الشبهات، الأمر الذي يمكن أن يساعد في الوصول إلى الصفقات المشبوهة والتحقق منها ومنعها قبل إتمامها، دون المساس بحقوق المواطنين الذين يمارسون حقوقهم القانونية في الشراء والبيع والتملك.
ورجح دحلة أن تتراجع الجهات المعنية عن القرار، مشيراً إلى أن ما رشح من توجهات بهذا الخصوص يعزز إمكانية استبداله بإجراءات أكثر دقة وتوازناً، تحفظ الأراضي الفلسطينية وتحمي المقدسيين من التمييز وتعطيل حقوقهم.
بين مكافحة التسريب وصون الحقوق.. مسؤولية قانونية مشتركة
وتتقاطع مداخلتا العاروري ودحلة عند التأكيد على خطورة تسريب الأراضي الفلسطينية للمستوطنين، وضرورة كشف عمليات التزوير والاحتيال ومحاسبة المتورطين فيها، إلا أن الموقفين يسلطان الضوء على جوانب مختلفة من الأزمة؛ إذ يركز العاروري على تعقيدات الملكية وسجلات الأراضي والاختلالات التي تتيح التلاعب بالحصص والوكالات، فيما يحذر دحلة من أن تتحول إجراءات مكافحة التسريب إلى قرارات جماعية تمس حقوق المقدسيين وتضعهم في دائرة الاتهام.
الاستماع الى اللقاء :