وسط 96FM شمال 96.2FM جنوب 92.2FM
استمع الآن راديو نساء

العملات المشفرة لن تعوض إسرائيل عن خسارة العلاقات المالية والتجارية الدولية

المستشار المالي الدكتور سعيد صبري لـ "نساء إف إم": تصريحات نتنياهو تعكس جدية المخاوف من احتمال تعرض الاقتصاد الإسرائيلي لعقوبات دولية

 

رام الله –نساء FM - آية عبد الرحمن- في ظل تزايد المخاوف من فرض عقوبات دولية على إسرائيل، برزت العملات المشفرة وتقنيات البلوك تشين في النقاشات الاقتصادية الإسرائيلية، بعد طرح رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو فكرة استخدامها لمواجهة العقوبات المالية المحتملة على إسرائيل.

 

وفيما يثير هذا التوجه تساؤلات حول قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على التعامل مع العزلة المالية والتجارية، حذّر بنك إسرائيل من أن العملات المشفرة لا تشكل وسيلة فعالة لتجاوز العقوبات، مشدداً على أهمية الحفاظ على العلاقات الاقتصادية مع الشركاء التجاريين الدوليين.

وقال المستشار الاقتصادي والمالي الدكتور سعيد صبري، في حديث لإذاعة نساء إف إم، إن الرسالة الأبرز في تصريحات نتنياهو لا تتمثل في أن إسرائيل ستتحول قريباً إلى استخدام العملات المشفرة، وإنما في أن رئيس حكومتها بات يتحدث علناً عن احتمال تعرض الاقتصاد الإسرائيلي لعقوبات دولية.

وأوضح صبري أن قوة الاقتصاد لا تقاس فقط بحجم الناتج المحلي أو مستوى التقدم التكنولوجي، وإنما تعتمد أيضاً على الثقة الدولية، والقدرة على الوصول إلى الأسواق والتمويل، وجذب الاستثمارات، والحفاظ على العلاقات التجارية والمصرفية مع الدول الأخرى.

وأضاف أن العملات الرقمية قد توفر أدوات دفع بديلة في بعض الحالات، لكنها لا تستطيع شراء الثقة الدولية أو تعويض خسارة الشركاء التجاريين والمستثمرين، مشيراً إلى أن السؤال الأساسي لا يتعلق بامتلاك إسرائيل التكنولوجيا اللازمة لتطوير وسائل دفع جديدة، بل بقدرتها على تحمل التكلفة الاقتصادية والسياسية لأي عزلة دولية متزايدة.

ضغوط تجارية واقتصادية

ولفت صبري إلى أن المؤشرات على الضغوط الاقتصادية المحتملة تشمل القيود التجارية التي قد تُفرض على المنتجات الإسرائيلية، مستشهداً بالخطوة البريطانية المتعلقة بحظر استيراد منتجات المستوطنات في الضفة الغربية، معتبراً أن مثل هذه الإجراءات تندرج ضمن سياق أوسع من الضغوط التي قد تؤثر في العلاقات التجارية والاقتصادية.

وفيما يتعلق بتحذير بنك إسرائيل من الاعتماد على العملات المشفرة للالتفاف على العقوبات، أوضح صبري أن هناك اختلافاً جوهرياً بين العملات المشفرة والعملات الرقمية الرسمية التي يمكن أن يصدرها البنك المركزي.

وقال إن العملات المشفرة، مثل البيتكوين، لا تصدر عن بنك مركزي، بل يجري تداولها عبر منصات وشركات مختلفة، بينما ترتبط العملة الرقمية الرسمية بالبنك المركزي وتعمل ضمن المنظومة النقدية للدولة.

وأشار إلى أن توجه بنك إسرائيل نحو دراسة أو تطوير عملة رقمية رسمية لا يعني الاستغناء عن المصارف أو السيولة أو التجارة الخارجية، ولا يلغي الحاجة إلى أنظمة تسوية المدفوعات الدولية.

وأكد أن العملات المشفرة والعملات الرقمية الرسمية لا تؤدي الوظيفة نفسها، إذ لا تستطيع العملات المشفرة أن تحل محل المنظومة المالية المتكاملة التي تعتمد عليها الدولة في تعاملاتها الاقتصادية.

لا بديل عن النظام المالي العالمي

وبيّن صبري أن العملات المشفرة قد تسهّل بعض التحويلات المالية بعيداً عن القنوات المصرفية التقليدية، لكنها تبقى محدودة الأثر عندما يتعلق الأمر بعقوبات واسعة تستهدف النظام المالي والتجاري.

وأوضح أن الاقتصاد الإسرائيلي يحتاج إلى تدفق الاستثمارات الأجنبية، والتمويل التجاري، والعلاقات المصرفية، وشركات التأمين، والوصول إلى الأسواق الدولية، وهي عناصر لا يمكن للعملات المشفرة أن تعوضها بصورة كاملة.

وأضاف أن أي قيود واسعة على هذه العلاقات قد تؤدي إلى ارتفاع المخاطر الاقتصادية والاستثمارية، وتؤثر في قدرة الشركات على ممارسة أعمالها والحصول على التمويل وإجراء المعاملات الدولية، ما قد ينعكس على ثقة المستثمرين واستعدادهم للاستمرار في الاستثمار داخل إسرائيل.

وحذّر صبري من أن اضطراب وسائل الدفع أو تراجع القدرة على الوصول إلى المنظومة المالية الدولية قد يدفع بعض المستثمرين إلى نقل أموالهم واستثماراتهم إلى أسواق أخرى، مشيراً إلى أهمية قطاع التكنولوجيا والحلول الرقمية في الاقتصاد الإسرائيلي، واعتماد شركاته على العلاقات التجارية والاستثمارية العالمية.

وأكد أن امتلاك التكنولوجيا المتقدمة لا يعني القدرة على تجاوز جميع القيود المالية، لأن التعاملات الاقتصادية الدولية لا تقوم على وسائل الدفع وحدها، بل تعتمد على شبكة واسعة من المؤسسات المصرفية والتجارية والاستثمارية، إلى جانب الثقة المتبادلة بين الدول والشركات والمستثمرين.

وفي هذا السياق، اعتبر صبري أن اللجوء إلى العملات المشفرة بوصفها مخرجاً من العقوبات المحتملة قد لا يؤدي إلى الاستقرار الاقتصادي المنشود، بل قد يزيد حالة عدم اليقين ويؤثر في البيئة الاستثمارية.

وأوضح أن العملات المشفرة قد توفر قنوات بديلة لبعض المعاملات، لكنها لا تستطيع تعويض خسارة العلاقات المصرفية والتجارية إذا تعرضت لقيود واسعة.

أبعاد سياسية وانتخابية

وعلى الصعيد السياسي، رأى صبري أن تصريحات نتنياهو بشأن العملات المشفرة قد ترتبط أيضاً بحسابات انتخابية، إلى جانب أبعادها الاقتصادية والمالية.

وأوضح أن نتنياهو يطرح، من خلال الحديث عن احتمال فرض عقوبات والمخارج الممكنة منها، نفسه أمام الناخب الإسرائيلي بوصفه قادراً على التعامل مع المخاطر الاقتصادية التي قد تواجه البلاد.

وأضاف أن هذا الخطاب قد يثير مخاوف لدى الناخبين بشأن مستقبل الاستقرار الاقتصادي، في الوقت الذي يقدم فيه نتنياهو تصوراً لحل محتمل، بينما لا يطرح منافسوه، وفق تقديره، القضية بالقدر نفسه من التركيز على الجانب المالي والاقتصادي.

وأشار صبري إلى أن التصريحات المتعلقة بالعملات المشفرة لا تتضمن، بحد ذاتها، ضمانات فعلية لتجاوز العقوبات أو تفادي آثارها، بل تعكس طرحاً سياسياً واقتصادياً يحتاج إلى تقييم في ضوء طبيعة القيود المحتملة ومدى تأثيرها في العلاقات المالية والتجارية.

وأوضح أن استخدام العملات المشفرة لا يعني بالضرورة القدرة على شراء الاحتياجات أو تمويل الاستثمارات داخل منظومة اقتصادية تواجه قيوداً دولية، لأن استمرار النشاط الاقتصادي يتطلب أكثر من مجرد وسيلة دفع بديلة؛ فهو يحتاج إلى نظام مصرفي قادر على تسوية المدفوعات، وشركات تأمين، وتمويل تجاري، وأسواق مفتوحة، وثقة من المستثمرين والشركاء الدوليين.

وبذلك، يطرح الرهان على العملات المشفرة تساؤلات بشأن حدود قدرتها على مواجهة العقوبات الاقتصادية، في ظل اعتماد الاقتصاد الإسرائيلي على شبكة من العلاقات المالية والتجارية الدولية.

وبحسب قراءة صبري، تبقى المسألة الأساسية مرتبطة بقدرة إسرائيل على الحفاظ على علاقاتها المصرفية والتجارية والاستثمارية، وتجنب تراجع ثقة الشركاء الدوليين في حال اتسعت القيود الاقتصادية والمالية.

وقال إن التكنولوجيا، مهما بلغت درجة تطورها، لا تستطيع وحدها تعويض آثار العزلة الاقتصادية أو ضمان استمرار تدفق الاستثمارات والتجارة الدولية.