حين تُحاصَر المعاناة بالتضليل.. الشائعات تزيد أوجاع نساء غزة
غزة -نساء FM- ميادة النجار- لم يكن صوت القصف في الخارج هو الخطر الوحيد الذي يهدد حياة صابرين؛ فداخل زاوية الخيمة الضيقة والمكدسة في أحد مخيمات النزوح بقطاع غزة، كانت هناك حرب أخرى صامتة تدور رحاها. حربٌ سلاحها القهر، والضيق، والعنف.
صابرين، الأم لأربعة أطفال، كانت قبل الحرب تُسمى "الحكيمة"؛ ممرضة ترتدي مئزرها الأبيض وتداوي جراح المرضى، تمنحهم الأمل والسكينة. لكن الحرب التي التهمت المستشفيات والبيوت، التهمت أيضاً عملها وأمانها، لتجد نفسها فجأة بلا حيلة، ملقاة في عالم من العوز والنزوح. ولم تتوقف المعاناة عند هذا الحد، بل أنجبت اثنين من أطفالها في ذروة الحرب، بلا رعاية حقيقية، وفي ظروف تفتقر لأدنى مقومات الإنسانية.
مع توقف زوجها عن العمل وتحول الحياة إلى جحيم يومي لتأمين لقمة العيش، بدأت الضغوط الاقتصادية والنفسية تنهش استقرار الأسرة. تحول عجز الزوج وغضبه من الواقع إلى ضربات وإهانات موجهة لجسد صابرين ونفسها.
تقول صابرين بنبرة تخنقها العبرات: "أصعب ما في الأمر ليس الألم الجسدي، بل أن أتعرض للعنف وأنا مجبرة على كتمان بكائي وحبس دموعي حتى لا يستيقظ أطفالي الخائفون اصلاً من صوت الطائرات. انعدام الخصوصية في المخيم يجعل حتى الحزن ترفاً لا نملكه، فكل تفاصيل حياتنا مكشوفة للجيران. صرت أبحث عن أي عمل، أي فرصة، لست فقط لأطعم صغاري، بل لأشتري كرامتي وأحمي نفسي من نظرات العجز التي تتحول إلى سوط يجلدني كل ليلة".
ورغم هذا الوجع المركب، تختار صابرين، كحال الكثير من النساء المتزوجات في غزة، أن ترتدي "قناع الصبر" كل صباح. تتحمل العنف والظروف القاسية مدفوعة بخوف غريزي مرعب: خوف من تشرد أطفالها، أو فقدان المأوى القماشي الذي يسترهم، ليصبح مجرد الحفاظ على بقاء الصغار حيين أهم بكثير من شعورها بالأمان أو الاستقرار الشخصي.
إن قصة صابرين هي صرخة مكتومة تعكس واقعاً مؤلماً لنساء يعشن بين مطرقة العدوان وسندان العنف الأسري الناتج عن الضغط النفسي الهائل. وهي تضع المؤسسات الإنسانية والدولية أمام مسؤولية أخلاقية كبرى لتقديم دعم نفسي ومادي حقيقي للمرأة الفلسطينية، والضغط لفتح المعابر لإنقاذ ما تبقى من كرامة البشر.
تزييف الحقيقة: حرب الشائعات والمعلومات المضللة
ولم تكن المعاناة الإنسانية والعنف الأسري هما التحدي الوحيد الذي يواجه ضحايا الحرب؛ بل أضيف إليهما خطرٌ آخر لا يقل ضراوة، يتمثل في تدفق الشائعات والمعلومات المضللة عبر منصات التواصل الاجتماعي حول الأوضاع الإنسانية والاجتماعية في القطاع. فقد انتشرت في الآونة الأخيرة ادعاءات وتغطيات مضللة تُقلل من حجم المعاناة اليومية التي تكابدها النساء والأسر في المخيمات، أو تُروج لروايات غير دقيقة تشوه واقع النازحين وتزيد من حالة الضغط النفسي والاجتماعي عليهم. إن استغلال ظروف الضحايا وتداول معلومات غير موثوقة لا يُسهم فقط في تزييف الحقيقة أمام العالم، بل يفرغ المعاناة الإنسانية من أبعادها الحقيقية ويحرم النساء من الحصول على الدعم النفسي والإغاثي القائم على الحقائق والاحتياجات الفعلية.
فالحروب، في حقيقتها البشعة، لا تقتل الناس بالقصف والصواريخ فقط، بل تسلبهم ببطء أمانهم، وسلامهم الداخلي، وكرامتهم حتى داخل بيوتهم وخيامهم.
ملاحظة: تم توليد الصورة المرافقة بالذكاء الاصطناعي
تم انتاج هذه القصة ضمن مشروع محققات الذي تنفذه إذاعة نساء إف إم وحاضنة نساء الإعلامية بدعم وتمويل من CFI تطوير وسائل الاعلام والاتحاد الأوروبي والوكالة الفرنسية للخبرة الفنية الدولية
إن الآراء الواردة في هذه القصة هي مسؤولية المنتجة، ولا تعبر عن آراء وموقف CFI تطوير وسائل الاعلام والاتحاد الأوروبي والوكالة الفرنسية للخبرة الفنية الدولية أو نساء إف إم/حاضنة نساء الإعلامية.