التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.. قراءة فلسطينية في عالم رقمي متسارع
رام الله-نساء FM- آية عبد الرحمن-لم تعد التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي جزءاً منفصلاً عن الحياة اليومية، بل أصبحا حاضرين في تفاصيلها، الأمر الذي يطرح أسئلة متزايدة حول كيفية فهمهما والتعامل معهما، وما الذي يعنيه هذا التحول بالنسبة للفلسطينيين، في ظل خصوصية السياق الفلسطيني وما يفرضه من تحديات مرتبطة بالاحتلال والاستعمار والرقابة والسيطرة والبيانات.
وفي هذا السياق، أطلقت مؤسسة الدراسات الفلسطينية منصة «التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في السياق الفلسطيني»، لتكون مساحة تحليلية تبحث في حضور التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي وتأثيراتهما في الحياة الفلسطينية.
منصة تحليلية في السياق الفلسطيني
وأوضح الباحث في مؤسسة الدراسات الفلسطينية رازي النابلسي، في حديث لـ"نساء إف إم"، أن المنصة تأتي ضمن سلسلة من المنصات التي أطلقتها المؤسسة خلال السنوات الماضية، بينها منصات خصصت لتوثيق حرب الإبادة وتناول مختلف جوانب العدوان على الشعب الفلسطيني.
وأشار إلى أن المنصة الجديدة تختلف عن تلك المنصات، كونها ليست توثيقية بالدرجة نفسها، وإنما تحليلية، وتهدف إلى فتح باب لفهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي من داخل السياق الفلسطيني.
وقال النابلسي إن التكنولوجيا أصبحت جزءاً أساسياً من حياة الإنسان، إلى درجة يصعب معها تخيل الحياة اليومية من دونها، فيما بات الذكاء الاصطناعي يمثل أحد أبرز التحولات التي يتجه إليها العالم.
الاحتلال يفرض خصوصية على التعامل مع التكنولوجيا
ويرى النابلسي أن التعامل مع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يكون متطابقاً في مختلف المجتمعات، فما قد يكون طبيعياً في مجتمعات أخرى قد يحمل معاني ومخاطر مختلفة بالنسبة للفلسطيني، في ظل وجود الاحتلال والاستعمار ومحاولات استغلال الأدوات التكنولوجية لإدامة السيطرة والتحكم.
ومن هنا، تسعى المنصة إلى قراءة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي من خلال إسقاطاتهما في الواقع الفلسطيني، دون التعامل مع التكنولوجيا باعتبارها نعمة أو نقمة بشكل مطلق، وإنما طرح السؤال حول الوجهين اللذين يمكن أن تحملهما.
التكنولوجيا.. أداة للسيطرة ومساحة للتواصل
وأشار النابلسي إلى أن التكنولوجيا يمكن أن تستخدم في السيطرة على الفلسطينيين ومراقبتهم والتحكم فيهم، مشيراً إلى استخدامها في هذا السياق خلال حرب الإبادة في غزة.
وفي المقابل، أتاحت التكنولوجيا للفلسطينيين، رغم انقسامهم الجغرافي والسياسي، إمكانيات أوسع للتواصل فيما بينهم، والانفتاح على العالم، وإيصال روايتهم ومعلوماتهم إلى جمهور أوسع.
وأضاف أن وسائل التواصل الاجتماعي ومصادر المعلومات الرقمية أسهمت في الحد من احتكار المعلومات المتعلقة بالفلسطينيين، بعدما كانت تمر بدرجة أكبر عبر القنوات التلفزيونية والإعلام المركزي والمؤسسات الإعلامية، بينما أصبح الفلسطيني اليوم قادراً على إنتاج محتواه ونشر روايته، كما أصبح قادراً على متابعة ما يجري في العالم من حوله.
غزة وتجربة الذكاء الاصطناعي في الحرب
ويرى النابلسي أن هناك فجوة في الدراسات التي تتناول التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي من داخل السياق الفلسطيني، وليس نقصاً في الدراسات العالمية حول التكنولوجيا ومخاطرها ومستقبل الذكاء الاصطناعي.
وأشار إلى أن تجربة غزة تكتسب أهمية خاصة في هذا المجال، في ظل طبيعة الحرب التي شهدها القطاع، لافتاً إلى أن حرب الإبادة في غزة وُصفت من قبل البعض بأنها أول حرب رقمية بهذا الشكل، أو حرب كان فيها الذكاء الاصطناعي حاضراً وفعالاً في ساحة المعركة على هذا المستوى.
وبحسب النابلسي، فإن التجربة الفلسطينية، وحالة غزة تحديداً، توفران مجالاً مهماً لدراسة استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وآثارهما، خصوصاً في سياق استعماري.
البيانات الفلسطينية.. من المعلومات إلى أدوات للاستهداف
ومن الملفات التي تركز عليها المنصة أيضاً قضية البيانات الفلسطينية، والمخاطر المرتبطة بجمعها واستخدامها وتخزينها من قبل المنصات الرقمية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وأكد النابلسي أهمية فهم الأمان الرقمي، في ظل حجم البيانات والمعلومات التي يمتلكها الأفراد والمجتمعات، ومعرفة ما يحدث لهذه البيانات وأين تذهب وكيف يمكن استغلالها.
وأوضح أن البيانات تستخدم عالمياً في تحليل سلوك المجتمعات وتوجهاتها، خصوصاً لأغراض التسويق والاستهلاك، إلا أن الأمر في فلسطين قد يتجاوز ذلك، بحيث يمكن أن تستخدم البيانات في دراسة التوجهات السياسية للمجتمع وقراءة اهتماماته واتجاهاته.
وأشار إلى أن البيانات يمكن أن تتحول إلى أدوات لاستهداف الأفراد والمجتمعات، ليس فقط بهدف دفعهم إلى شراء منتج أو تبني نمط استهلاكي معين، وإنما أيضاً للتأثير في آرائهم وهوياتهم.
ماذا تقدم المنصة؟
وتضم منصة «التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في السياق الفلسطيني» مجموعة من الأقسام الموجهة للباحثين والمهتمين والجمهور العام.
ومن أبرزها المعجم الذي يقدم شرحاً للمصطلحات التقنية المرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إلى جانب أوراق الحقائق التي توفر معلومات حول موضوعات مختلفة دون تقديم رأي أو تحليل.
كما تتضمن المنصة قسماً تحليلياً يضم أوراق السياسات والمقالات والدراسات المنشورة في مجلات مختلفة، إضافة إلى قسم للأخبار والتقارير المهمة المتعلقة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
ويطمح القائمون عليها إلى أن تصبح مساحة تجمع المعرفة والمعلومات والتحليل والأخبار المتعلقة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في السياق الفلسطيني.
نحو فهم التكنولوجيا من داخل الواقع الفلسطيني
وتفتح المنصة نقاشاً حول الوجهين اللذين يمكن أن تحملهما التكنولوجيا في الحالة الفلسطينية؛ فمن جهة، يمكن أن تستخدم في المراقبة والسيطرة والتحكم واستهداف المجتمع، ومن جهة أخرى يمكن أن تمنح الفلسطيني أدوات للتواصل وكسر احتكار المعلومات والانفتاح على العالم ونقل الرواية والمعلومة.
كما تضع قضية البيانات في صلب هذا النقاش، من خلال طرح أسئلة حول حجم المعلومات التي يتم جمعها عن الفلسطينيين، وكيفية استخدامها، وإلى أين تذهب، وما الذي يمكن أن تتيحه من إمكانيات لقراءة المجتمع واستهدافه.
ومن خلال أقسامها المختلفة، تسعى منصة «التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في السياق الفلسطيني» إلى توفير مساحة معرفية تساعد الباحث والقارئ والمهتم على فهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ليس باعتبارهما موضوعين مجردين، وإنما من داخل السياق الفلسطيني وما يفرضه من تحديات وفرص ومخاطر.