الذكاء الاصطناعي يدخل مساقات الصحافة.. ومركز تطوير الإعلام يركز على الاستخدام المسؤول
رام الله – نساء FM –اية عبد الرحمن- لم يعد الذكاء الاصطناعي أداة مستقبلية بعيدة عن غرف الأخبار، بل أصبح حاضراً في البحث والتحقق وإنتاج المحتوى، ما يفرض على المؤسسات الأكاديمية والصحفيين فهماً أوسع لهذه الأدوات ومخاطرها المرتبطة بالخصوصية والحقوق الرقمية وأخلاقيات العمل الصحفي.
أطلق مركز تطوير الإعلام في جامعة بيرزيت مساقاً جديداً بعنوان "الذكاء الاصطناعي في تدريس الصحافة والإعلام"، بالشراكة مع خمس جامعات فلسطينية، بهدف إدخال الذكاء الاصطناعي إلى العملية التعليمية وربط الجانب النظري بالتطبيقات التي يحتاجها الصحفي في عمله.
مساق على مدار عشرة أسابيع
وقال منسق الأبحاث والسياسات في مركز تطوير الإعلام بجامعة بيرزيت، الدكتور صالح مشارقة، في حديث لـ"نساء إف إم"، إن المركز يعمل منذ عام 2023 على مجموعة من المشاريع المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن ظروف الحرب والإبادة شكلت تحدياً أمام العمل، إلا أن المركز تمكن، بالتعاون مع اليونسكو والاتحاد الأوروبي، من تنفيذ عدد من المشاريع التدريبية والتعليمية في هذا المجال.
وأوضح مشارقة أن المركز بدأ مع اليونسكو قبل نحو عامين بتأهيل محاضرين جامعيين في نحو 16 جامعة فلسطينية حول كيفية تدريس الذكاء الاصطناعي، قبل أن يحصل هذا العام على تمويل من الاتحاد الأوروبي، وبدعم من قناة فرنسا الدولية وخبراء فرنسيين، لإنتاج المساق الجديد.
وبيّن أن إعداد المساق تم بالشراكة مع خمس جامعات فلسطينية، هي جامعة النجاح، وجامعة الخليل، والجامعة العربية الأمريكية، وجامعة فلسطين التقنية – فرع العروب، إلى جانب جامعة بيرزيت، موضحاً أن المساق يمتد على مدار عشرة أسابيع دراسية، وأعدت مواده بطريقة مبسطة تتيح للمحاضرين تدريسها بسهولة.
وأضاف أن التدريس بدأ اعتباراً من شهر أيلول ضمن الفصل الدراسي الأول، بموجب اتفاقيات مع الجامعات المشاركة، فيما أتيح المجال أمام الأكاديميين في قطاع غزة وباقي الجامعات الفلسطينية للاستفادة من المساق وتدريسه كلياً أو جزئياً وفق خططهم الدراسية.
الجانب التطبيقي حاضر في كل أسبوع
وحول تصميم موضوعات المساق، أوضح مشارقة أن المؤلفين الستة خضعوا لتدريب مع خبيرة دولية في حوكمة الذكاء الاصطناعي، الدكتورة نور نعيم من تركيا، قبل إجراء مشاورات حول محتوى المساق والفصول والمهام التطبيقية والمفاهيم النظرية التي يحتاجها الطلبة.
وأشار إلى أن توزيع المحتوى جرى وفق تخصصات الأساتذة المشاركين، بحيث يتناول الأسبوع الأول مقدمة في الذكاء الاصطناعي، بما يشمل الذكاء العام، والذكاء الاصطناعي، والذكاء الاصطناعي الضيق والعام والتوليدي، إلى جانب الشركات التي تتحكم بهذه التقنيات والمفاهيم المرتبطة بها.
ولم يقتصر المساق على الجانب النظري، إذ يتضمن كل أسبوع جانباً تطبيقياً، مثل إنتاج فيديوهات قصيرة، وتصميم الصور وتحريكها، واستخدام الأصوات، وتطوير طرق البحث، إضافة إلى تعلم هندسة الأوامر في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وأكد مشارقة أن كل وحدة دراسية تتضمن مادة إثرائية قائمة على المفاهيم إلى جانب مادة تطبيقية، بهدف أن يخرج الطالب في نهاية كل أسبوع بمعرفة ومهارة في الوقت نفسه.
الخصوصية والحقوق الرقمية
وحول الخصوصية وحماية البيانات والحقوق الرقمية، قال مشارقة إن هذه القضايا شكلت محطة أساسية في نقاشات فريق إعداد المساق، في ظل اختلاف وجهات النظر بين من يدفع باتجاه استخدام الذكاء الاصطناعي بصورة واسعة، ومن يرى ضرورة التعامل معه بحذر ووضع مسار واضح للأخلاقيات والممارسات الفضلى.
وأكد أن الفريق توصل إلى صيغة تضع السياق الفلسطيني خلف المساق، وتتناول المخاطر المرتبطة بهذه التقنيات، موضحاً أن أدوات الذكاء الاصطناعي قد تجمع معلومات عن المستخدم وما يبحث عنه أو يسأل عنه، وقد تصل هذه البيانات إلى الشركات.
وأشار إلى أن استخدامات الذكاء الاصطناعي لا تقتصر على المجالات الطبية وغيرها من الاستخدامات المدنية، وإنما يمكن أن تستخدمه الجيوش والأجهزة الأمنية، مستشهداً باستخدام طائرات الكوادكوبتر من قبل القوات الإسرائيلية في قطاع غزة.
وقال إن المساق يتناول هذه المخاطر ضمن أكثر من أسبوع دراسي، انطلاقاً من أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن تكون له آثار إيجابية، وفي المقابل قد تكون له آثار مدمرة، ما يطرح سؤالاً أساسياً حول الجهة التي تتحكم بهذه التقنيات وكيفية الحد من آثارها السلبية.
أخلاقيات الإعلام في ظل الذكاء الاصطناعي
وأوضح مشارقة أن اختلاف تخصصات الأساتذة المشاركين انعكس على محتوى المساق، حيث تولى كل محاضر إعداد الأسابيع المرتبطة باهتماماته وخبرته.
وأشار إلى أن الدكتور رائد زواهرة من جامعة فلسطين التقنية – فرع العروب، والمتخصص في التصميمات، تولى أسبوعين حول التطبيقات المستخدمة في إنتاج الفيديو والصورة والنص والبحث، إلى جانب الاستخدام الأخلاقي لهذه التطبيقات.
كما شاركت الدكتورة جمان قناص من جامعة بيرزيت في إعداد أسبوع بعنوان "أخلاقيات الإعلام في ظل الذكاء الاصطناعي"، فيما تولى مشارقة إعداد الأسبوع الخاص بالحقوق الرقمية، مع التركيز على كيفية التمييز بين الاستخدامات المفيدة للذكاء الاصطناعي والاستخدامات التي قد تخدم الاحتلال الإسرائيلي أو الشركات العالمية.
إعداد طالب إعلام نقدي
وقال مشارقة إن المساق تعامل مع احتياجات سوق العمل، في ظل تزايد الطلب على إنتاج مواد إعلامية باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن الهدف يتمثل في تمكين الطلبة من إنتاج مواد مكتوبة ومسموعة وتلفزيونية ورقمية باستخدام هذه التقنيات.
لكنه شدد في الوقت ذاته على أن المساق لا يهدف إلى تحويل الطالب إلى مجرد مستخدم لهذه الأدوات، وإنما إلى طالب يفهم المفاهيم والأفكار المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وقادراً على مناقشة أخلاقياته وموضوعيته والممارسات الفضلى لاستخدامه.
وأكد أهمية الحفاظ على الإبداع والخيال والقدرات البشرية، مشدداً على أن الإنسان يجب أن يبقى العنصر الأساسي في العلاقة مع الذكاء الاصطناعي.
لا مكان للاستسلام لنتائج الذكاء الاصطناعي
وبيّن مشارقة أن المساق يركز أيضاً على تعليم الطلبة هندسة الأوامر، بما يمكنهم من التحكم في الأدوات وفهم طبيعة النتائج التي تنتجها.
وشدد على ضرورة إدراك الطالب أنه يتعامل مع نظام حاسوبي يعتمد على كميات ضخمة من المعلومات، وليس مع عقل يفكر بالمعنى البشري، موضحاً أن هذه الأنظمة تنتج مخرجات بناءً على الأوامر والمعلومات التي طورتها الشركات المشغلة لها.
وأكد أن الهدف النهائي هو إعداد طالب "نقدي وماهر وذكي وغير مستسلم للذكاء الاصطناعي"، بحيث يدرك أن الإبداع البشري يجب ألا يضيع أثناء إنتاج المواد الإعلامية.
وشدد على ضرورة تطوير النتائج التي تنتجها أدوات الذكاء الاصطناعي وتعديلها والتحقق منها، لمنع الأخبار المضللة، والوصول إلى مادة إعلامية مفيدة ومبدعة، مع الاستفادة من هذه الأدوات دون التخلي عن الدور الأساسي للصحفي في التفكير والتحقق والإبداع وصناعة المحتوى.