وسط 96FM شمال 96.2FM جنوب 92.2FM
استمع الآن راديو نساء
المياه في غزة.. معاناة يومية تثقل كاهل النساء والنازحين

 

غزة- نساء FM- إسراء أبو جلالة- قبل أن تبدأ يومها بالتفكير في إعداد الطعام أو ترتيب خيمتها المهترئة، يشغل السيدة الغزية سؤال واحد فقط: هل ستصل المياه اليوم؟

منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تحولت المياه في قطاع غزة من حق أساسي إلى معركة يومية يخوضها السكان والنازحون وسط ظروف إنسانية قاسية فرضتها الحرب والنزوح المستمر وتضرر البنية التحتية للمياه والصرف الصحي.

وتعكس الأرقام حجم الكارثة المائية التي يعيشها القطاع؛ إذ تشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من 95% من مياه الخزان الجوفي في غزة غير صالحة للشرب بسبب التلوث وارتفاع نسبة الملوحة. كما يحصل كثير من السكان على كميات مياه تقل بكثير عن الحد الأدنى الذي توصي به منظمة الصحة العالمية والبالغ ما بين 50 إلى 100 لتر للفرد يومياً لتلبية الاحتياجات الأساسية من الشرب والطهي والنظافة الشخصية، الأمر الذي جعل الحصول على المياه تحدياً يومياً يواجه مئات آلاف النازحين.

وفي المخيمات المكتظة بالخيام، أصبح الحصول على جالون ماء نظيف إنجازاً يومياً قد يحدد قدرة الأسرة على الشرب أو الطهي أو حتى المحافظة على الحد الأدنى من النظافة الشخصية.

تقول السيدة (أ.م)، وهي نازحة تقيم داخل خيمة منذ سنوات:"نفسي أصحى يوم طبيعي زي زمان، بدون خوف وتعب. كل يوم بستنى سيارة المي، وياريت المي تكون صالحة للشرب، كلها كلور. تعبنا من الأمراض ومن الحياة اللي صارت كلها انتظار".

وتوضح أن كمية المياه التي تصل إلى المخيم بالكاد تكفي الاحتياجات الأساسية، ما يضطر العائلات إلى المفاضلة بين استخدامها للشرب أو الطهي أو النظافة الشخصية.

وتضيف: "أغلب وقتي بروح على النقاط الطبية بسبب الأمراض اللي سببتها المي الملوثة، ومع هيك ما عنا خيار ثاني".

ولا تقتصر آثار الأزمة على الجانب الصحي فحسب، بل تمتد إلى أبعاد نفسية واجتماعية، خاصة بالنسبة للنساء اللواتي يتحملن مسؤولية إدارة الحياة اليومية داخل الخيام في ظل نقص الموارد الأساسية.

أما الفتيات الصغيرات، فقد وجدن أنفسهن في مواجهة يومية مع مهمة البحث عن الماء بدلاً من عيش حياة طبيعية وآمنة.

وتقول الفتاة تالا وائل:كل يوم لازم أصحى بدري علشان ألحق عربة المي. الجالون الواحد بصير حيرة؛ للشرب ولا للوضوء ولا للغسيل. أحياناً بنضطر نتيمم للصلاة لأنه ما في مي كفاية".

سوء توزيع ونقص في الإمدادات

وفي ذات السياق، تعبر النازحة ساجدة خالد عن معاناتها مع انقطاع المياه، موضحة أن عربات المياه قد تغيب عن المخيم لأكثر من خمسة عشر يوماً متواصلة، بينما تصل بكثافة في يوم واحد فقط.

وتقول: "أحياناً بنظل نستنى المي لأسبوعين وأكثر، وفجأة بتيجي عدة سيارات بنفس اليوم، وهذا بخلي جزء من الناس يحصل على احتياجه بينما تظل عائلات أخرى تعاني من النقص".

ويرى سكان في المخيم أن هذا التفاوت يعكس خللاً في آليات التوزيع وعدم انتظام وصول المياه، الأمر الذي يترك مئات الأسر تحت رحمة الانتظار ويجعل الحصول على المياه مرتبطاً بقدرة القائمين على المخيمات على التنسيق مع الجهات الداعمة.

كما تواجه المخيمات أزمة متفاقمة بعد تراجع أو توقف تعاقد بعض المؤسسات الدولية مع الشركات المحلية المخصصة لتوفير المياه للنازحين، ما أدى إلى انخفاض كميات المياه الواصلة وزيادة الضغط على المصادر المتاحة.

جهود محدودة أمام احتياجات متزايدة

وتوفر مصلحة مياه بلديات الساحل المياه للنازحين القاطنين بالقرب من محطات التحلية، حيث يتم ضخ المياه المنتجة من محطات التحلية إلى المناطق والمخيمات المحيطة.

وبحسب إفادات من داخل المخيم، فإن كمية المياه التي تصل لا تتجاوز نحو 30% من الاحتياج الفعلي للنازحين، وهي نسبة لا تكفي لتلبية متطلبات الأعداد الكبيرة من الأسر المقيمة في الخيام.

كما جرى تنفيذ مشروع بدعم من اليونيسف والمركز السعودي للثقافة والتراث لتوفير المياه الصالحة للشرب من خلال إنشاء نقطتي تعبئة للمياه عند مدخل المخيم، إلا أن السكان يؤكدون أن هذه الخدمة ما تزال غير كافية مقارنة بأعداد المستفيدين.

وفي محاولة للتخفيف من الأزمة، بادر سكان المخيم إلى جمع تبرعات مالية لتوفير المياه، غير أن الكميات التي يتم تأمينها لا تكفي سوى جزء محدود من العائلات، إذ يستفيد منها أقل من 100 عائلة في حين يقطن المخيم عدد أكبر بكثير من الأسر النازحة.

ويشير السكان إلى أن ضخ المياه من قبل المصلحة يتم من الساعة السادسة صباحاً وحتى السابعة والنصف فقط، قبل أن يتوقف الضخ حتى اليوم التالي، ما يدفع العائلات إلى تخزين المياه واستخدامها بحذر شديد.

مخاطر صحية متزايدة

ولا تقتصر أزمة المياه على صعوبة الحصول عليها فقط، بل تمتد إلى جودة المياه المتوفرة، حيث يضطر كثير من النازحين إلى استخدام مياه مرتفعة الملوحة نتيجة شح البدائل المتاحة.

ويشير السكان إلى أن نسبة ملوحة المياه مرتفعة، في حين يبلغ مستوى الحموضة (PH) نحو 7.6، الأمر الذي انعكس على صحة عدد من النازحين الذين راجعوا المراكز والنقاط الطبية داخل المخيمات لتلقي العلاج.

ومع استمرار النزوح وتفاقم أزمة المياه، تتزايد المخاوف من انتشار الأمراض المرتبطة بالمياه غير الآمنة، مثل أمراض الجهاز الهضمي والإسهال والتهابات الكبد، في وقت تعاني فيه المنظومة الصحية من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية.

ويحذر مختصون من أن فصل الصيف قد يزيد من حدة الأزمة، في ظل ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الاحتياج اليومي للمياه، ما يهدد بتفاقم الأوضاع الصحية والإنسانية داخل المخيمات.

ورغم مرور شهور طويلة على الحرب، لا يزال آلاف النازحين في غزة يستيقظون كل صباح على السؤال ذاته: كيف يمكن للحياة أن تستمر وسط عطش لا ينتهي؟

تم انتاج هذا التقرير ضمن مشروع محققات الذي تنفذه إذاعة نساء إف إم وحاضنة نساء الإعلامية بدعم وتمويل من تطوير وسائل الاعلام والاتحاد الأوروبي والوكالة الفرنسية للخبرة الفنية الدولية CFI

إن الآراء الواردة في هذا التقرير هي مسؤولية المنتجة، ولا تعبر عن آراء وموقف CFI تطوير وسائل الاعلام والاتحاد الأوروبي والوكالة الفرنسية للخبرة الفنية الدولية أو نساء إف إم/حاضنة نساء الإعلامية.