قبل أن ننشر القصة حساسية النوع الاجتماعي والذكاء الاصطناعي في الإعلام
جوسلين قسيس نساء FM _ بيت لحم _ تموز 2026
يعمل الإعلاميون والإعلاميات في بيئة لا تمنحهم كثيرًا من الوقت. أخبار عاجلة، ومقابلات يجب تنسيقها، وصور تحتاج إلى مراجعة، وعناوين تنتظر الصياغة. وبين الوصول إلى المعلومة، والتحقق منها، وصياغة المحتوى، ونشره قبل فوات اللحظة، يخوض الصحفيون والصحفيات سباقًا متواصلًا مع الزمن.
في وسط هذه السرعة وهذا الزحام، قد يغيب عن ذهن الصحفيين والصحفيات سؤال لطالما وضعته السياسات التحريرية المهنية قبل الضغط على زر النشر: هل تنقل القصة الواقع بعدالة؟
تبرز أهمية هذا السؤال عند الاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى. فالمعلومات قد تكون صحيحة، والمصادر موثوقة، والصياغة قوية، لكن القصة تبقى ناقصة عندما تغيب عنها أصوات أساسية، أو تستخدم لغة نمطية، أو تقدم النساء والرجال ضمن أدوار ثابتة.
فالذكاء الاصطناعي لا يفكر أو يكتب من فراغ، بل يعتمد على ما تعلمه من ملايين النصوص والمقالات والكتب والمحتويات المنشورة سابقًا. وهذا يعني أن جودة مخرجاته ترتبط بجودة البيانات التي تدرب عليها. فإذا كانت تلك البيانات تتضمن تحيزات أو صورًا نمطية أو تمثيلًا غير متوازن للنساء والرجال، فمن الممكن أن يعيد إنتاجها في المحتوى الذي يقترحه، حتى دون قصد. لذلك، لا يكفي الاعتماد على دقة المعلومات أو قوة الصياغة، بل يصبح من الضروري مراجعة المحتوى بعين نقدية للتأكد من أنه يقدم صورة عادلة ومتوازنة.
وبالتالي، يقع على عاتق الإعلاميين والإعلاميات مسؤولية التحقق من هذا الانحياز وعدم الاكتفاء بالمحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي. وفي الإعلام الفلسطيني، تصبح هذه المسؤولية أكبر. نحن نغطي واقعًا مليئًا بالاحتلال والحرب والتهجير والبطالة والفقر والعنف والقيود اليومية. لذلك، لا تكفي دقة المعلومة وحدها. علينا الانتباه إلى الطريقة التي يروي بها الاخرون قصتنا، وكيف نروي نحن هذه القصة، والأشخاص الذين نمنحهم مساحة، والصورة التي نقدمهم من خلالها، والنتائج التي قد يتركها النشر على حياتهم وكرامتهم.
عدسة النوع الاجتماعي
قد تعيش النساء نفس الحدث التي يعيشه الرجال، لكنهن لا يختبرنه بالطريقة نفسها. ففي حالة البطالة، قد يواجه الرجل ضغوطًا اقتصادية واجتماعية مرتبطة بالصورة النمطية التي تضع عليه مسؤولية الإعالة، بينما تواجه المرأة الضغوط المالية ذاتها، إلى جانب تمييز في فرص العمل، أو مسؤوليات رعاية غير مدفوعة، أو قيود أسرية واجتماعية تحد من خياراتها.
وفي أوقات الحرب، يتعرض الجميع للخطر والنزوح والفقدان، إلا أن آثار الأزمة لا تكون متشابهة. فهي تتأثر بالنوع الاجتماعي، والعمر، والوضع الاقتصادي، والإعاقة، والمسؤوليات الأسرية. فقد يشعر الرجل بضغط يمنعه من التعبير عن خوفه أو طلب الدعم، بسبب التوقعات الاجتماعية التي تربط الرجولة بالقوة والتحمل. وفي المقابل، تُقدَّم المرأة في كثير من التغطيات الصحفية بوصفها ضحية فقط، رغم أدوارها الفاعلة في العمل، والحماية، وتنظيم شؤون الأسرة والمجتمع، والمشاركة في اتخاذ القرار.
لذلك، يحتاج الصحفيون والصحفيات إلى استخدام "عدسة النوع الاجتماعي"، وهي منهج يساعد على فهم التجارب المختلفة وإبرازها، انطلاقًا من حقيقة أن تجربة واحدة لا يمكن أن تمثل الجميع. فالقصة العادلة لا تضع النساء والرجال في مواجهة بعضهم، ولا تفترض أن معاناة طرف تلغي معاناة الآخر. بل تسعى إلى فهم اختلاف التجارب، وإعطاء كل منها المساحة التي تستحقها، والبحث عن الأصوات التي غالبًا ما تغيب عن التغطية الإعلامية.
التحيز يبدأ من التفاصيل الصغيرة
لا يبدأ التحيز دائمًا من نية واضحة. في أغلب الأحيان، يتسلل إلى القصة من خلال كلمات وصور واختيارات تبدو عادية. يظهر عندما نصفُ امرأة بمظهرها، بينما نصف رجلاً بخبرته أو منصبه. ويظهر عندما نستضيف الرجال للحديث عن السياسة والاقتصاد، ونلجأ إلى النساء فقط في موضوعات الأسرة والطفولة. فهذه هي الادوار النمطية التي يصورها الاعلام وتنتشر في غالبية المحتوى على شبكة الانترنيت.
قد تبدو هذه التفاصيل بسيطة عند النظر إلى كل واحدة منها وحدها، لكن تكرارها يصنع صورة اجتماعية كاملة. صورة تحدد من يملك المعرفة، ومن يقود، ومن يحتاج إلى الإنقاذ، ومن يستحق الحديث، ومن يبقى في الخلفية. هنا يتحول الاختيار الصغير إلى نمط متكرر، ويصبح الإعلام جزءًا من تثبيت الصورة النمطية بدل مساءلتها.
فالكلمات لا تصف الأشخاص فقط، بل توجه الطريقة التي يفهمهم بها الجمهور. عندما نركز على جمال امرأة في قصة عن إنجازها، ننقل الاهتمام من خبرتها إلى مظهرها. وعندما نصف الرجل دائمًا بأنه قوي، نرسخ فكرة أن الخوف أو الضعف أو طلب الدعم لا يليق به.
وعندما نصف الأم بأنها مضحية فقط، نحصر هويتها في الأمومة، ونتجاهل عملها وطموحها وقدرتها على اتخاذ القرار. وعندما نصف الأب بأنه المعيل فقط، نغيب دوره في التربية والرعاية والدعم العاطفي. المشكلة هنا ليست في كلمة واحدة، بل في النمط الذي تصنعه الكلمات مع الوقت.
اللغة الحساسة للنوع الاجتماعي لا تتطلب نصاً معقداً او مصطنعاً. لذا، يجب مراجعة الأوصاف قبل استخدامها. هل يضيف الوصف معلومة تخدم القصة؟ هل سنستخدمه لو كان الشخص من جنس آخر؟ هل يقدم الإنسان بصورة كاملة، أم يختزله في شكله أو دوره الأسري والاجتماعي؟
الامر ذاته ينطبق على الصور المستخدمة التي غالباً ما تجلب انتباه الجمهور قبل أن يقرأ كلمة واحدة. لذلك، لا يجب التعامل معها كعنصر تجميلي، لأنها تحدد الزاوية التي سيرى الناس من خلالها القصة.
ففي الحرب على غزة مثلاً، نشاهد صوراً تعرض نساءً باكيات او أو يحملن الأطفال، في حين يتم تجاهل أدوارهن في التنظيم والحماية واتخاذ القرار.
في المقابل، عند اعداد مادة عن الصحة النفسية لدى الرجال، ثم نستخدم صورًا تظهرهم غاضبين أو منعزلين أو أقوياء، من دون تقديم مساحة للحزن أو الخوف أو طلب الدعم. في هذه الحالات، قد تنقل الصورة رسالة أقوى من النص، وقد تناقض الفكرة التي يحاول النص تقديمها.
قبل اختيار الصورة، يجب أن نسأل: من يظهر فيها؟ كيف يظهر؟ من غاب عنها؟ هل تعكس الواقع، أم تكرر صورة نمطية؟ وهل تحترم كرامة الأشخاص، أم تستخدم ألمهم لجذب الانتباه؟
عندما يلتقي التحيز البشري بالتحيز الخوارزمي
لا شك ان دخول الذكاء الاصطناعي الى غرف الاخبار والعمل الإعلامي يساعد الصحفيين والصحفيات في البحث، والتلخيص، وصياغة المسودات، وتحليل البيانات، واقتراح العناوين، وإنشاء الصور وغيرها من الاستخدامات التي توفر الوقت، وتساعد في تنظيم العمل، وتدعم فرق الإعلام التي تعمل تحت ضغط مستمر.
لكن المشكلة تبدأ عندما نتعامل مع هذه الأدوات باعتبارها محايدة. فالذكاء الاصطناعي يتعلم من بيانات أنتجها البشر، وهذه البيانات تحمل التحيزات الموجودة في المجتمع والإعلام والتاريخ.
فعلى سبيل المثال، عندما نطلب من إحدى أدوات الذكاء الاصطناعي إنشاء صورة لطبيب، فغالباً ما تعرض رجلًا. وعند طلب صورة لممرضة، تظهر امرأة. وإذا طلبنا صورة لرئيس مؤسسة أو قائد فريق، تميل النتائج إلى إظهار الرجال في مواقع القيادة وصنع القرار، بينما تظهر النساء في أدوار مساندة أو مرتبطة بالأسرة. ورغم أن هذه المخرجات لا تعكس الواقع بالضرورة، فإنها تكشف كيف يمكن للصور النمطية الموجودة في البيانات التي تدربت عليها هذه الأدوات أن تنعكس في المحتوى الذي تنتجه.
هذه النتائج لا تأتي من فراغ. فالأداة تتعلم الأنماط الأكثر تكراراً، ثم تعيد إنتاجها. وعندما تستخدم المؤسسات الإعلامية هذه النتائج من دون مراجعة، تتحول الصور النمطية إلى محتوى جديد يبدو حديثًا ومهنيًا، لكنه يحمل التحيزات القديمة نفسها.
ولا يكمن الخطر في الأداة وحدها، بل في اللحظة التي تلتقي فيها تحيزات المجتمع مع ثقة الصحفي أو الصحفية بنتائج الذكاء الاصطناعي الذي لا يخبر المستخدم بأن النتيجة متحيزة. يقدمها بثقة، وبجودة عالية، وخلال وقت قصير.
قد نعد قصة عن نساء فلسطينيات يعملن في التكنولوجيا والابتكار، ثم تقترح الأداة صوراً تركز على مظهر واحد أو عمر محدد أو نموذج واحد للمرأة العاملة. وفي قصة عن الرجال والضغط النفسي في مكان العمل، قد تنتج الأداة صوراً تعرض الرجال كغاضبين أو أقوياء، ولا تعكس هشاشتهم أو حاجتهم إلى الدعم. لهذا، لا يجب التعامل مع النتيجة المقنعة على أنها نتيجة عادلة. المراجعة البشرية ليست خطوة إضافية، بل جزء أساسي من العمل الإعلامي المسؤول.
فالمسؤولية تقع اولاً واخيراً على المستخدم لا على الأداة، فعلى سبيل المثال يمكن للذكاء الاصطناعي اقتراح عنوان، لكنه لا يعرف السياق الفلسطيني كاملًا، ويمكنه تلخيص مقابلة، لكنه قد يفقد نبرة المتحدث أو المتحدثة، أو يختصر تفاصيل أساسية. ويمكنه تحليل البيانات، لكنه لا يعرف من غاب عنها أو لماذا غاب. كما يمكنه إنشاء صورة، لكنه لا يدرك أثرها على الشخص أو المجتمع. ولهذا، يجب أن يبقى القرار النهائي بيد الصحفيين والصحفيات.
فكل معلومة تحتاج إلى تحقق وكل صورة تحتاج إلى مراجعة وكل نص يحتاج إلى قراءة بشرية واعية باللغة والسياق والنوع الاجتماعي. فالذكاء الاصطناعي أداة مساعدة، وليس رئيس تحرير. والمسؤولية تبقى عند الشخص والمؤسسة اللذين اختارا استخدامه ونشر نتائجه.
أسئلة تساعد على إنتاج محتوى أكثر عدالة باستخدام الذكاء الاصطناعي:
يساعد طرح الأسئلة الصحيحة في إنتاج محتوى صحفي أكثر دقة وعدالة. ومع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إعداد النصوص والصور والأفكار، تزداد الحاجة إلى مراجعة المحتوى والتأكد من خلوه من التحيزات أو الصور النمطية. وفيما يلي مجموعة من الأسئلة يمكن للصحفيين والصحفيات الاستعانة بها قبل نشر أي مادة صحفية:
- من غاب عن القصة؟
- هل استمعنا إلى الأشخاص المتأثرين بالقضية؟ هل ظهرت تجارب النساء والرجال والفتيات والفتيان؟ هل غابت فئات بسبب صعوبة الوصول إليها، أم لأننا لم نفكر فيها؟
- هل اللغة دقيقة وعادلة؟
- هل ركزنا على مظهر المرأة بدل خبرتها؟ هل حصرنا الرجل في القوة والسلطة؟ هل قدمنا الأشخاص من خلال أدوارهم الاجتماعية فقط؟
- هل احترمنا الكرامة والموافقة؟
- هل يعرف الشخص أين ستنشر صورته أو شهادته؟ هل فهم المخاطر المحتملة؟ وهل حصل على فرصة واضحة للموافقة أو الرفض؟
- هل راجعنا نتائج الذكاء الاصطناعي؟
- هل تحققنا من المعلومات؟ هل راجعنا الصور والنصوص يدويًا؟ هل تقدم النتائج النساء والرجال ضمن أدوار نمطية؟
- ما الرسالة النهائية للقصة؟
- هل يعكس النص والعنوان والصورة الرسالة نفسها؟ وهل تقدم القصة الأشخاص كأفراد كاملين، أم تحصرهم في دور واحد؟
قبل أن ننشر
لا يوجد صحفي أو صحفية خالٍ تمامًا من التحيز، ولا توجد قصة قادرة على تمثيل جميع التجارب. لكن الإعلام المسؤول يبدأ من إدراك هذه الحدود، ثم محاولة تجاوزها من خلال المراجعة والسؤال والبحث عن الأصوات التي لم تظهر.
لهذا، لا يكفي أن نسأل إن كانت القصة قوية أو سريعة أو قابلة للانتشار. يجب أن نسأل إن كانت دقيقة وعادلة، وإن كانت تحمي كرامة أصحابها، وإن كانت تكسر الصور النمطية بدل إعادة إنتاجها.
قبل أن ننشر، نحتاج إلى لحظة من التوقف. نراجع اللغة، ونبحث عن الصوت الغائب، ونفحص الصورة، ونتحقق من نتائج الذكاء الاصطناعي، لأن الإعلام المسؤول لا يبدأ من زر النشر، بل يبدأ من الأسئلة التي نطرحها قبله.