الرئيسية » نساء في العالم العربي »  

في عيد المرأة.. مسيرة تمكين المرأة المغربية في ظل الإصلاحات الملكية
10 آذار 2026

 

 

 

الرباط-نساء FM-بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، يتجدد الحديث عن المكانة التي أصبحت تحتلها المرأة المغربية داخل المجتمع، وعن التحولات العميقة التي عرفتها أوضاعها خلال العقود الأخيرة، خاصة في ظل حكم الملك محمد السادس الذي جعل من النهوض بأوضاع المرأة أحد المداخل الأساسية لتحقيق التنمية والتحديث وترسيخ قيم المساواة والعدالة الاجتماعية.

لقد شهد المغرب منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999 سلسلة من الإصلاحات السياسية والقانونية والاجتماعية التي أعادت الاعتبار لدور المرأة، وفتحت أمامها آفاقا أوسع للمشاركة في مختلف مجالات الحياة العامة، سواء في السياسة أو الاقتصاد أو التعليم أو العمل الجمعوي.

لقد شكل إصلاح مدونة الأسرة المغربية سنة 2004 محطة تاريخية في مسار تعزيز حقوق المرأة المغربية، حيث جاء هذا الإصلاح استجابة لمطالب مجتمعية متزايدة بضرورة تحقيق التوازن داخل الأسرة المغربية وضمان كرامة المرأة وحقوقها. وقد نصت المدونة الجديدة على مجموعة من المقتضيات التي عززت مكانة المرأة، من بينها رفع سن الزواج، وإقرار مبدأ المسؤولية المشتركة بين الزوجين داخل الأسرة، وتقييد التعدد بشروط صارمة، ومنح المرأة حق طلب الطلاق وفق ضوابط قانونية واضحة، وهو ما اعتبر تحولا كبيرا في التشريع الأسري بالمغرب، كما عكس إرادة سياسية واضحة لتحديث المنظومة القانونية بما ينسجم مع تطور المجتمع المغربي.

وفي السياق نفسه، يعرف قانون مدونة الأسرة المغربية منذ سنوات ورشًا جديدًا للإصلاح يهدف إلى ملاءمة مقتضياته مع التحولات التي عرفها المجتمع المغربي بعد حوالي عقدين من اعتماد مدونة 2004. فقد دعا الملك محمد السادس إلى مراجعة عدد من مقتضيات المدونة لتجاوز الاختلالات التي ظهرت أثناء التطبيق العملي، حيث تم إحداث هيئة خاصة لمراجعتها وإطلاق مشاورات واسعة شملت مؤسسات دستورية وهيئات دينية وحقوقية وفعاليات من المجتمع المدني.

وأسفرت هذه المشاورات عن مجموعة من المقترحات التي تسعى إلى تعزيز حماية الأسرة وضمان مزيد من التوازن بين حقوق المرأة والرجل، ومن بينها مراجعة بعض القضايا المرتبطة بالزواج والطلاق والحضانة والولاية القانونية على الأطفال، إضافة إلى العمل على تقليص مدة البت في قضايا الطلاق وتحديث الإجراءات القضائية المرتبطة بها، مع تعزيز مبدأ المسؤولية المشتركة داخل الأسرة.

كما تتجه بعض المقترحات إلى تشديد القيود على زواج القاصرات وتطوير آليات حماية حقوق الأطفال والنساء بعد الطلاق، في إطار محاولة إيجاد توازن بين المرجعية الدينية ومتطلبات الواقع الاجتماعي المتغير. ويُنتظر أن تتحول هذه المقترحات إلى نصوص قانونية بعد استكمال المسار التشريعي ومناقشتها داخل البرلمان، بما يعكس استمرار دينامية الإصلاح التي يعرفها قانون الأسرة في المغرب.

إلى جانب الإصلاحات القانونية، شهدت المرأة المغربية حضورا متزايدا في المجال السياسي، حيث ساهمت آليات التمييز الإيجابي في رفع تمثيليتها داخل المؤسسات المنتخبة. فقد ارتفع عدد النساء داخل البرلمان المغربي بشكل ملحوظ مقارنة بسنوات سابقة، كما تقلدت المرأة مناصب حكومية ومسؤوليات عليا في الإدارة والمؤسسات العمومية، وهو ما يعكس تطورا في نظرة المجتمع إلى قدرات المرأة ومؤهلاتها القيادية. ولم يعد حضور المرأة مقتصرا على المشاركة الرمزية، بل أصبحت فاعلا حقيقيا في صياغة السياسات العمومية والمساهمة في تدبير الشأن العام.

وفي المجال الاقتصادي، بدأت المرأة المغربية تفرض حضورها بشكل متزايد في سوق الشغل وريادة الأعمال، حيث استفادت من برامج دعم التمكين الاقتصادي والتكوين المهني والمبادرات التنموية التي أطلقتها الدولة، وعلى رأسها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي أطلقها الملك محمد السادس سنة 2005 بهدف محاربة الفقر والهشاشة وتعزيز الإدماج الاجتماعي والاقتصادي للفئات الهشة، ومن بينها النساء، خاصة في العالم القروي.

وقد ساهمت هذه المبادرة في دعم التعاونيات النسائية وتشجيع المشاريع المدرة للدخل، مما مكن العديد من النساء من تحقيق استقلال اقتصادي نسبي وتحسين ظروف عيش أسرهن.

أما على مستوى التعليم، فقد عرفت نسب تمدرس الفتيات ارتفاعا ملحوظا خلال العقدين الأخيرين، بفضل السياسات العمومية الرامية إلى تعميم التعليم ومحاربة الهدر المدرسي، خصوصا في المناطق القروية.

وأصبحت المرأة المغربية حاضرة بقوة داخل الجامعات والمعاهد العليا، بل إن نسبة الطالبات في بعض التخصصات تفوق أحيانا نسبة الطلبة الذكور، وهو ما يعكس التحول العميق في وعي المجتمع بأهمية تعليم المرأة باعتباره رافعة أساسية للتنمية البشرية.

كما برزت المرأة المغربية في مجالات أخرى عديدة مثل القضاء والدبلوماسية والإعلام والفنون والرياضة، وأثبتت قدرتها على تحقيق النجاح والتميز. وقد ساهمت هذه النجاحات في تغيير الصور النمطية التي كانت تحصر دور المرأة في أدوار تقليدية، ليصبح حضورها اليوم جزءا أساسيا من دينامية المجتمع المغربي وتطوره.

وفي الوقت نفسه، واصلت الدولة جهودها لتعزيز الإطار القانوني لحماية المرأة، من خلال إصدار قوانين لمحاربة العنف ضد النساء وتعزيز آليات الحماية والدعم للضحايا.

ورغم هذه المكتسبات المهمة، فإن مسار تمكين المرأة المغربية ما زال يواجه بعض التحديات المرتبطة بالفوارق الاجتماعية والمجالية، وباستمرار بعض العقليات التقليدية التي قد تحد من المشاركة الكاملة للمرأة في الحياة العامة، خاصة في بعض المناطق القروية. غير أن التحولات التي شهدها المغرب خلال السنوات الماضية تؤكد أن مسار تعزيز حقوق المرأة يسير في اتجاه تصاعدي، مدعوما بإرادة سياسية وإصلاحات تشريعية وبرامج تنموية تسعى إلى تحقيق مزيد من العدالة والمساواة.

وهكذا يمكن القول إن المرأة المغربية قطعت أشواطا مهمة في مسار تعزيز مكانتها داخل المجتمع، وأصبحت شريكا أساسيا في بناء المغرب الحديث.

وبفضل الإصلاحات التي شهدها المغرب في عهد الملك محمد السادس، لم تعد المرأة مجرد فاعل اجتماعي محدود الدور، بل أصبحت قوة حقيقية في التنمية وصناعة المستقبل، وهو ما يعكس التحول العميق الذي يعرفه المجتمع المغربي في اتجاه ترسيخ قيم الكرامة والمواطنة والمساواة بين جميع أبنائه.