الرئيسية » منوعات »  

انتهاك حقوق الطفل الفلسطيني وتهديد أمنه النفسي والاجتماعي من خلال ممارسات الاحتلال..
20 تموز 2014

  

يعد موضوع حقوق الإنسان من الموضوعات التي أوليت عناية كبيرة في جميع التشريعات السماوية والقوانين الوضعية وبخاصة الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة ، والأطفال في العالم كله لهم حقوق لا بد من رعايتها ومن خلال معايشة الواقع الفلسطيني ، يلحظ بشكل جلي أن الطفل الفلسطيني أضحى ولم يزل ضحية لكل وسائل الإرهاب الصهيوني ، ما بين تخويف وإرعاب وتشريد وقتل وانتهاك لكل الحقوق المشروعة على مرأى ومسمع من دعاة السلام وحقوق الإنسان ، فالطفولة في ظل الاحتلال تغتال كل يوم وكل ساعة ، فهناك استهداف مباشر للطفل الفلسطيني في جميع مجالات الحياة الصحية والنفسية والتعليمية والاجتماعية ، والأمر تزداد خطورته هنا ، إذا علمنا أن المجتمع الفلسطيني مجتمع فتي فالأطفال يشكلون أكثر من نصف المجتمع حيث بلغت نسبتهم 52.6% من مجموع السكان حتى عام 2003 ، وبالتالي فإن انتهاك حقوق الأطفال في فلسطين وتهديد أمنهم يشكل تحدياً خطيراً وغير مسبوق لكونه لا يضر بالأطفال وحدهم – فحسب – بل يتعدى ذالك إلى مستقبل المجتمع الفلسطيني بأسره والذي يشكل الأطفال فيه أغلبية .

وتتركز هذه الورقة في محورها، على واقع حقوق الطفل الفلسطيني- حقه في الحياة والأمن والتعليم والحياة الكريمة، وهذه الحقوق اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب قرارها رقم 44/25 المؤرخ في 20/11/1981، وقد عرفت المادة الأولى من الاتفاقية الطفل بأنه "كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه".

ومن خلال هذه الورقة ، سيعرض الباحث لأبرز ممارسات الاحتلال الصهيوني في انتهاك حقوق أطفال فلسطين، التي كفلتها القوانين الدولية ، وتهديد أمنهم النفسي والاجتماعي ، وقد برزت تلك الممارسات المشئومة بشكل صارخ مع بداية الانتفاضة الثانية إلى يومنا هذا .

ويمكن إجمال أبرز حقوق الطفل الفلسطيني ، التي يستمر انتهاكها بفعل ممارسات الاحتلال على النحو التالي :

أولاً : الحق في الحياة :

الحق في الحياة ثابت لكل إنسان كبيراً أو صغيراً وقد نصت المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن " لكل فرد حق في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه"، كما أوضحت المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أن " الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان وعلى القانون أن يحمي هذا الحق ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسّفاً " ، كما نصت المادة 6 فقرة 1 على أن : " تعترف الدول الأطراف بأن لكل طفل حقاً أصيلاً في الحياة " فيما نصت الفقرة 2 من المادة نفسها على أن " تكفل الدول الأطراف إلى أقصى حد ممكن ×××× الطفل ونموه " .

كما نصت المادة 38 فقرة 4 من اتفاقية حقوق الطفل على أن "تتخذ الدول الأطراف، وفقاً لالتزاماتها بمقتضى القانون الإنساني الدولي بحماية السكان المدنيين في المنازعات المسلحة، جميع التدابير الممكنة عملياً لكي تضمن حماية ورعاية الأطفال المتأثرين بنزاع مسلح " .

ويعني الحق في الحياة : عدم جواز القيام بأي عمل يمس روح الإنسان أو جسده ويشمل ذلك الطفل ، الذي أشارت له على وجه الخصوص الفقرة 4 من المادة المذكورة أعلاه .

وبناءً عليه فإن استهداف قوات جيش الاحتلال الصهيوني للأطفال وتعمدهم قتل أكبر عدد ممكن - لا سيما في أماكن التجمعات السكينة – يعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي .

ومن خلال تتبع الانتهاكات الصهيونية لحق الأطفال الفلسطينيين ، يتبين من أن قوات الاحتلال تطلق النار بهدف القتل العمد وقد تضاعف عدد الأطفال الذين استشهدوا خلال عام 2002 (50%) من مجموع الشهداء الكلي والحال نفسه في العامين 2000 ، 2001 .

إن قتل أطفال فلسطين عملية منظمة تقوم بها إسرائيل بهدف الإبادة العنصرية وليس أدل على ذلك من المذبحة التي ارتكبتها ضد الأطفال خلال أسبوع واحد في سبتمبر 2004 حيث قتل في هذه المذبحة (17) طفلاً ، كما أصيب 86 طفلاً خلال الاعتداء الذي شنته قوات الاحتلال على مخيم جباليا بغزة ، وبلغ عدد الشهداء الذين قتلتهم الآلة العسكرية الصهيونية من بداية العام 2000 إلى نهاية العام 2005 (728) طفلاً فلسطينياً ثم ازداد العدد ليصل إلى 900 شهيداً من الأطفال في نهاية العام 2006 .

وحسب التقرير الذي أوردته صحيفة الحقائق (2006) فإن نسبة الأطفال الذين أصيبوا بجراح خلال الانتفاضة الثانية/2000 حوالي 35.4% من مجموع الإصابات ، ومن الواضح من خلال الإصابات أن جنود الاحتلال ، يتعمدون إلحاق عاهات مستديمة بالأطفال الفلسطينيين ، بحيث يظل الطفل الفلسطيني معاقاً طوال حياته إذا ما كتبت له النجاة .

وتبرز المأساة بشكل أكبر ، حينما نعلم أن ربع مليون جريح خلال الانتفاضة الثانية منهم حوالي (12000) معاق إعاقة دائمة معظمهم من الأطفال ، وأن 60% من تلك الإصابات بين الأطفال في منطقة الدماغ والأعصاب مما يؤكد على إصرار جنود الاحتلال على استهداف منطقة الرأس مباشرة .

ومن الجدير ذكره في هذا المقام ، أن هؤلاء الجنود يستندون في ارتكابهم لتلك الجرائم البشعة على فتاوى أصدرها الحاخامات تبيح لهم قتل أطفال فلسطين وكان آخرها تلك الفتاوى التي أصدرتها لجنة حاخامات مستوطنات الضفة الغربية وقطاع غزة ونشرتها جريدة يديعوت أحرونوت والتي تبيح للإسرائيليين قتل النساء والأطفال في فلسطين واستندت تلك الفتاوى إلى نصوص من التوراة .

 

ثانياً : الحق في مستوى معيشي ملائم :

مما لا شك فيه أن الأوضاع المعيشية والاقتصادية تلعب دوراً رئيساً ومحدداً لكيفية النمو المتكامل لشخصية الطفل وبقدر ما يتاح له العيش في ظروف ملائمة من حيث السكن والغذاء والكساء - مناخ اجتماعي ملائم – بقدر ما يتوفر له مقومات التكوين الجسماني والعقلي والنفسي على نحو أفضل ، يسمح لنمو مواهبه وقدراته وإبداعاته .

فمنذ بداية الانتفاضة وسلطات الاحتلال تفرض حصاراً شاملاً على أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية ، حيث منعت آلافاً من العمال من الوصول إلى أماكن عملهم داخل الخط الأخضر والذين يعيلون أكثر من مائة وعشرين ألف أسرة داخل الضفة وقطاع غزة ، كما أعاقت حركة التجارة التي سادها الركود ونتج عن هذه الممارسات أزمة اقتصادية طاحنة أثرت سلباً على مستوى حياة الناس ومستواهم المعيشي ، فانخفض دخل الأسرة الفلسطينية وقدرتها على الشراء ، مما أدى إلى تردّي أوضاع الطفل المعيشية والسكنية والغذائية والترفيهية كذلك .

وإنه من بديهيات القول أن الوضع الاقتصادي المتدني ، يقف عثرة أمام الوفاء بمتطلبات الغذاء للطفل الفلسطيني لا سيما في قطاع غزة الذي عانى بشكل كبير من نقص في المواد الغذائية والسلع الأساسية ، وحسب إحصائية أجريت عام 2004 فإن 22% من الأطفال الفلسطينيين عانوا من سوء تغذية حرج أو مزمن و20% منهم عانوا من فقر الدم .

ويعود نقص الغذاء بالدرجة الأولى إلى إغلاق الطرق والحواجز ومنع التجول الذي يفرضه قراصنة الاحتلال من حين لآخر فضلاً عن انخفاض القوة الشرائية للعملة في فلسطين .

وتؤكد التقديرات السكانية للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن عدد الأطفال الذين هم دون الـ 18 قد بلغ عام 1997 حوالي 1.5 مليون ، وأن 54.4% ممن هم تحت خط الفقر من الأطفال ، وبالرغم من انخفاض معدلات الفقر في عام 1998م ، فما زال هناك طفل من بين أربعة أطفال يعاني من حالة الفقر ، وهذه النسبة ارتفعت بعد انتفاضة الأقصى لتصل إلى خمسة أطفال من كل تسعة في ظل الاستهداف المنهجي للقطاعات الاقتصادية من جانب جيش الاحتلال .

وارتبط بالمستوى المعيشي للطفل الفلسطيني ، توافر السكن والمأوى الملائم ، وقد نص على ذلك المبدأ الرابع من إعلان حقوق الطفل الذي قرر أنّ " للطفل حقاً في قدر كاف من الغذاء والمأوى " وقد أشارت السنة النبوية إلى ثلاث حاجات أساسية للإنسان السكن الآمن ، وعافية الجسد ، والغذاء من خلال قوله صلى الله عليه وسلم : " من أصبح منكم آمناً في سربه معافىً في جسده وعنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا ". (الترمذي، ج4، ب. ت: 574).

وعلى الرغم من أن المادة 27 فقرة 3 من اتفاقية حقوق الطفل أشارت إلى حق كل طفل في سكن مناسب ، وحثت على إنفاذ هذا الحق وتقديم المساعدة المادية وبرامج الدعم عند الضرورة ، إلا أن قوات جيش الاحتلال لم تمتنع عن قصف وهدم المنازل السكنية إلى حد الإزالة ، كما أخطرت عدد آخر من الأسر إلى هجر منازلها بسبب قربها من مواقع القصف وإذا كان المنزل هو وحدة الأمان الأول في حياة الطفل ، فكيف سيكون حال الأطفال الذين شردوا مع أسرهم بفعل القصف والتدمير الهمجي الذي يمارسه جنود الاحتلال ، ومنذ بداية الانتفاضة إلى يومنا هذا تم هدم أكثر من 8000 منزل ، ناهيك عن التدمير الذي طال خدمات البنية التحتية من شبكات المياه والصرف الصحي وشبكات الكهرباء والهواتف والطرق ، مما ألحق ضرراً مادياً ونفسياً مباشراً بأطفال فلسطين .

 

ثالثاً : الحق في الرعاية الصحية :

أكدت القوانين الدولية مسئولية الدولة المحتلة عن صحة الشعب الذي يقع تحت احتلالها وطالبت بتأمين مستوى من الخدمات الصحية له أسوةً بما تؤمنه من خدمات صحية لشعبها . إن من حق الطفل الفلسطيني في ظل الاحتلال – أن ينمو بشكل سليم ومعافى وهو يحتاج إلى بيئة صحية تتيح له أن ينشأ ويترعرع بطريقة سليمة وقد تضرر ذلك في ظل تدهور الوضع الاقتصادي والغذائي للطفل الفلسطيني بسبب الحصار المفروض على الجميع وقد تدهور الوضع الصحي والعلاجي لدى أطفالنا الأسرى في سجون الاحتلال الذين لا يتلقون علاجاً غير المسكنات ولا غذاءً ملائماً لأوضاعهم الصحية وتجدهم يضطرون الانتظار أشهر وربما سنوات لتلقي فحص لدى طبيب مختص أو صورة أشعة ضرورية ، ومنهم من ينهي مدة حكمه دون أن يحين موعد علاجه ، وقد أكدت المؤسسات الحقوقية المهتمة بمتابعة أوضاع الأسرى على أن السجون الصهيونية تعاني نقص حاد في المجال الصحي والطبي ، بحيث يتم إهمال الكثير من الحالات المرضية وعدم إيلائها أي اهتمام بحجة عدم وجود إمكانيات علاجية لذلك .

 

رابعاً : الحق في الترفيه واللعب :

يشكل اللهو واللعب حاجة أساسية من حاجات الطفل ، لا تقل أهمية عن الحاجة إلى الصحة والغذاء المناسب ، أو التعليم ، ومن ثم ليس جديداً القول أن للّهو واللعب أهمية خاصة في حياة أي طفل ، حيث فترة الطفولة هي فترة البناء الجسدي والعقلي والنفسي ، وهي فترة تربية وتعليم أساس . لذا نبّه الشارع الدولي إلى ضرورة مراعاة هذا الجانب المهم في تكوين شخصية الطفل بشكل متوازن ، وعليه فقد قرر المبدأ الرابع من إعلان حقوق الطفل أن : "للطفل حق في قدر كاف من الغذاء والمأوى واللهو " . كما نصت المادة 31 من اتفاقية حقوق الطفل بضرورة أن : " تعترف الدول الأطراف بحق الطفل في الراحة ووقت الفراغ ، ومزاولة الألعاب وأنشطة الاستجمام المناسبة لسنه والمشاركة بحرية في الحياة الثقافية وفي الفنون " . وإذا طبقنا هذه النصوص على وضع الأطفال الفلسطينيين في ظل الانتفاضة ، لوجدنا النقيض من كل ذلك ، فجو التوتر العام وانتشار حالات الخوف والهلع بين الأطفال الفلسطينيين ، واضطراب سلوكهم ، وغزو الكوابيس المزعجة مخادع نومهم المتقطع حال دون تمتعهم بأوقاتهم ، وهو تمتع قليل على أية حال ، وسعيهم وراء اللعب واللهو ، واكتفوا من دون وعي بمشاهدة أعمال العنف التي يمارسها الاحتلال ضدهم وضد ذويهم وأقاربهم وجيرانهم ، فتحولت براءتهم إلى خوف ، ونومهم إلى فزع وقلق ، ويومهم إلى ترقب للموت.

وفي ظل هاجس الخوف والقلق الذي يطارد أطفال فلسطين في كل مكان بسبب استهدافهم من قبل جيش الاحتلال ، فإنهم يندفعون – غالباً – إلى اللعب داخل بيوتهم خوفاً من أن تحصد أرواحهم صواريخ ورصاص الاحتلال وحتى بيوتهم لم تعد واقية لهم ذلك أنها عرضة من حين لآخر للقصف والرصاص الذي يغتال الطفولة والبراءة بين ذويها وفي أحضان الأمهات .

 

خامساً : الحق في الأمن النفسي والسلام :

من بدهيات القول ، أن الشعور بالأمن والاطمئنان ، حاجة فطرية لكل إنسان والطفل في أمس الحاجة لذلك وإن مجرد توفير الطعام والغذاء للإنسان ، لا يكفي دون توفر الأمن النفسي ، ولذا جاء الاقتران بينهما في قوله تعالى : " الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ " (قريش : 4) .

والطفل الفلسطيني يتعرض لضغوط نفسية شديدة ، ناجمة عن الإجراءات الاحتلالية القمعية ، إذ يستخدم الجيش أقسى أشكال العنف بحق الشعب الفلسطيني والذي تزايدت وتيرته مع بداية الانتفاضة الأولى ، وتجسد ذلك في أعمال القصف الهمجي والوحشي للبيوت والمنشآت واقتحام المجمعات وبناء جدار الفصل العنصري ، فالاحتلال الصهيوني ، لم يترك سلاحاً إلا واستخدمه كالطائرات والدبابات والقذائف والصواريخ والغازات المختلفة وتفريغ الهواء من طائرات إف 16 والتي تدخل الرعب والذعر في قلوب الأطفال وتهز أركانهم والمكان الذي يتواجدون فيه .

ويتعرض أطفال فلسطين – على أيدي جنود الاحتلال – لأصناف من التعذيب الجسدي والإرهاب النفسي والإهانة المتكررة خلال فترة اعتقالهم منذ لحظة إلقاء القبض عليهم واقتيادهم من منازلهم في ساعات متأخرة إلى مراكز التحقيق حيث الإذلال والوحشية والامتهان باستخدام أساليب متنوعة والتي من أبرزها :

1-          الضرب على جميع أنحاء الجسم وخاصة في المناطق العليا والرأس .

2-          الهز بشكل متكرر الأمر الذي يعرض الطفل إلى فقدان الوعي والإغماء .

3-          الشبح المتواصل وذلك بربط الأرجل والأيدي وإجبار الطفل على الوقوف أو الجلوس لساعات طويلة .

4-          الحرمان من النوم والطعام وقضاء الحاجة .

5-          الإذلال والإهانة وشتم الأطفال بكلمات نابية وبذيئة .

6-          سكب الماء البارد أو الساخن على الطفل .

7-          التحرش الجنسي والتهديد بالاغتصاب وهتك العرض .

8-          تعرية الطفل لساعات طويلة .

9-          إجبار الطفل على القيام بحركات مذلة وصعبة مثل تقليد صوت الحيوانات وحمل أجسام ثقيلة.

10-     عزل الطفل في زنزانة انفرادية والعمل على إرهاقه نفسياً وجسدياً .

11-     زج الطفل في غرف مختلطة مع سجناء جنائيين من ذوي الأعمال الإجرامية .

12-     ترويع الأطفال بإدخال كلاب متوحشة عليهم .

وبالرغم من وعود متكررة من قبل جيش الاحتلال بعدم استخدام المدنيين الفلسطينيين دروعاً بشرية ؛ إلا أن تسجيلاً مصوراً التقطته عدسة ناشط دولي في مدينة نابلس بالضفة الغربية أظهر جنود الاحتلال يأمروا طفلين قاصرين بأن يقفوا أمام مركبتهم العسكرية من نوع "همر" لكي يشكلوا وقاية لهم من أي هجمات بالحجارة من قبل أطفال الانتفاضة ، واستخدام المدنين في الحرب كدروع بشرية ، يعد انتهاكاً فاضحاً لحقوق الإنسان وكانت محكمة العدل الإسرائيلية قد حظرت هذا الأسلوب عام 2005 بعدما نشرت العديد من المشاهد التي تكشف عن استخدام الجنود الإسرائيليين للمواطنين الفلسطينيين كدروع بشرية خلال اقتحاماتهم للمنازل والأحياء والمدن .

وما من شك في أن مثل هذه الممارسات الإرهابية في حق أطفال فلسطين ، تترك آثاراً وخيمة عليهم من ناحية نفسية واجتماعية وقد أشارت نتائج مسح الصحة النفسية والاجتماعية للأطفال الفلسطينيين من عمر 5-17 عاماً أن هذه الفئة العمرية تعاني آثاراً نفسية تتراوح ما بين 1.5% إلى 11.5% وقال التقرير السنوي الذي أصدره مركز الإحصاء الفلسطيني : إن أغلب نسبة من هذه الآثار، ناجمة عن العصبية الزائدة والصراخ المستمر وبلغت 11.5% فيما تساوت المعاناة لكل من الخوف من الوحدة بشكل دائم والخوف من الظلام بشكل دائم وبلغت 10.8% لكل منهما ، وأوضحت أن المعاناة النفسية لدى هؤلاء الأطفال أفرزت آثاراً سلبية على سلوك هذه الفئة تمثلت في إشعال الحرائق وضرب وشتم الآخرين وتعاطي السجائر .

 

سادساً : الحق في التعليم :

التعليم حق أساسي ومبدئي وأخلاقي لكل شعوب الأرض ، وقد ورد في المادة (28) من اتفاقية حقوق الطفل أن " الدول الأطراف تعترف بحق الطفل في التعليم " .

إن انتهاكات الاحتلال لحق الطفل الفلسطيني في التعليم على مدار سني انتفاضة الأقصى والتي بلغت ذروتها خلال العام الدراسي 2001-2002 ، وقد تمثل ذلك من خلال الإجراءات التعسفية التالية :

أ- إغلاق المدارس :

تستند قوات الاحتلال العدوانية - في إغلاقها للمدارس – إلى الأوامر العسكرية التي تحاول أن تضفي طابعاً قانونياً على سياساتها التعسفية تجاه الفلسطينيين في تناقض تام مع اتفاقية جنيف لعام (1949) وقد تمادت سلطات الاحتلال في إصدار أوامر عسكرية ، سيطرت من خلالها على مجمل أوجه نشاط المواطنين ، فلم يعد هناك مجال من مجالات حياتهم ، إلا وضبط بأمر عسكري .

وقد كانت سياسة إغلاق المدارس عبر سنوات الاحتلال للضفة الغربية وقطاع غزة ممارسة شائعة وقد تم تفعيلها خلال انتفاضة الأقصى حيث أغلقت العديد من المدارس وتم حظر دخولها وقد تراوحت مدة الإغلاق بين شهر وشهرين . وبذلك حرم آلاف الأطفال من الوصول إلى مدارسهم وتلقي تعليمهم .

وتشير الإحصائيات الصادرة عن وزارة التربية والتعليم الفلسطينية ، أنه منذ الاجتياح الأول الواسع للأراضي الفلسطينية المحتلة في 29/3/2003 تعطلت الحياة التعليمية بالكامل في 850 مدرسة ؛ بحيث تعطل التعليم في هذه المدارس مدة 22 يوماً متواصلاً ، أضف إلى ذلك تعطل الحياة التعليمية في فترات أخرى في العشرات من المدارس في مختلف المناطق الفلسطينية نتيجة لسياسة فرض منع التجول والإغلاق المتكرر التي انتهجتها سلطات الاحتلال كإجراء عقابي .

هذا عدا عن عدم انتظام الحياة التعليمية في الكثير من مدارس الضفة الغربية وقطاع غزة بشكل كامل ، بسبب عدم تمكن المدرسين والطلاب في بعض الأحيان من الوصول إلى مدارسهم لكونهم يسكنون في منطقة ويعملون أو يدرسون في مناطق أخرى .

فسياسة العقاب الجماعي التي تنتهجها سلطات الاحتلال بحق المواطنين الفلسطينيين من منع تجول وحصار وإغلاق ، تجد صداها على حق الأطفال الفلسطينيين بالتعليم .

 

ب- قصف المدارس :

إن من أبرز الانتهاكات للقانون الدولي الإنساني ، تعرّض الكثير من المدارس للقصف بشتى أنواع الأسلحة وبشكل عشوائي ، في الوقت الذي يفترض به القانون الدولي ، أن تتمتع المدارس بنوع من الحماية والحصانة الخاصة ، فمنذ اندلاع انتفاضة الأقصى وحتى بدء العام الدراسي 2002-2003 تعرضت (197) مدرسة فلسطينية للقصف ، وتشير توثيقات حقوقية إلى تعرض (24) مدرسة للقصف العنيف خلال الفترة الممتدة من 1/1/2001-30/6/2002 مما ألحق بكثير من المدارس أضراراً بالغة ، حتى أن بعضها لم يعد صالحاً ، هذا بالإضافة إلى تحويل قوات جيش الاحتلال للكثير من المدارس إلى ثكنات عسكرية ومعتقلات مؤقتة .

وقد صاحب قصف قوات الاحتلال للمدارس ، انتهاك لحق الطلبة في الحياة ، وقد أشارت إحصائيات وزارة التربية والتعليم الفلسطينية إلى استشهاد (245) طالباً وطالبة منذ اندلاع انتفاضة الأقصى حتى 1/9/2002 من المجموع العام للشهداء الأطفال الذين بلغ عددهم (223) طفلاً للفترة الزمنية نفسها حسب إحصائيات موثقة بحيث بلغت نسبة الطلبة الشهداء من المجموع العام للأطفال 75.85% .

وجاء في تقرير للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بعنوان الانتهاكات الإسرائيلية للحق في التعليم بقطاع غزة – فقط – خلال الفترة الممتدة من 29/9/2000 وحتى 30/4/2002 – أن (276) طفلاً تلميذاً استشهدوا وأصيب أكثر من ثلاثة آلاف آخرين .

فعلى خلاف شعوب الأرض قاطبة ، والتي تبدأ عامها الدراسي الجديد بحرية تامة وآمان وتفاؤل بيوم سعيد وغد مشرق ، فإن الشعب الفلسطيني في أرضه المحتلة ، يبدأ عامه الدراسي الجديد بالجرائم الدموية والتنكيلية الصهيونية بلا حدود .

وعلى سبيل المثال لا الحصر ، ارتقى خمسة شهداء من طوباس بينهم أربعة أطفال تلاميذ على مقاعد الدراسة ، بفعل قذيفة دبابة صهيونية حاقدة ، اغتالت براءتهم وطفولتهم ، وفي حادث مروع يوم الثلاثاء 7/9/2004 كانت الطالبة الطفلة رغد العصار والبالغة (10) أعوام في مقعدها الدراسي تستمع باهتمام لشرح مدرسة اللغة الإنجليزية مع بداية الحصة الأولى في فصلها الدراسي بمدرسة بنات خان يونس ، عندما سقطت ملطخة بدمائها بعد أن اخترقت رصاصة صهيونية الجانب الأيمن من رأسها ، فصبغت دماؤها كراستها باللون الأحمر والبلاطات الأمامية لمقعدها الذي سيبقى فارغاً ليشهد على أبشع جرائم الاحتلال ، وعقب الحادثة الأليمة خيمت أجواء من الحزن على مدرسة بنات خان يونس الابتدائية للاجئين التابعة لوكالة الغوث ، حيث خرج كافة الأطفال في ساحة المدرسة ينتابهم الخوف الشديد بعد الجريمة التي ارتكبتها قوات الاحتلال بحق طفلة بريئة مع بدء العام الدراسي الذي لم يُنه أسبوعه الأول .

وباءت كافة محاولات المدرسين والمدرسات في وقف دموع أطفال الفصل اللواتي امتزجت دموعهن بدماء الطفلة العصار بالفشل ، فقد عشن لحظات رعب حقيقية بعدما سقطت زميلتهن .

ونتيجة للأوضاع الفلسطينية الصعبة والمزرية ، التي تعيشها الأسر الفلسطينية ، تخلف العديد من الأطفال عن الذهاب إلى مدارسهم وقد انخرط بعضهم في مجالات عمل أقرب إلى الاستغلال منها إلى العمل وذلك لوجود معظم عمالة الأطفال في الشوارع طباعة متجولين .

 

سابعاً : الحق في الحرية :

أصدرت وزارة شئون الأسرى والمحررين في السلطة الفلسطينية تقريراً إحصائياً عن الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال ، يشير إلى قرابة (4000) طفل اعتقلوا منذ بداية انتفاضة الأقصى ، لا زال منهم (348) طفل رهن الأسر 44% منهم يتراوحون بين 16-17 سنة .

وتؤكد الجهات المعنية بملف اعتقال الأطفال ، أن هذا الإجراء لم يأتِ من فراغ ، وأن استهداف الاحتلال لهذه الفئة من الفلسطينيين لم يكن عفوياً بل إنه أسلوب مدروس وممنهج تلجأ إليه لضرب هذه الشريحة باعتبارها عماد المستقبل ، حيث يترك ذلك آثاراً نفسية قاسية عليهم وهو ما يحدو بمعظمهم إلى عدم العودة إلى مقاعد الدراسة وبالتالي تكون بدأت الخطوات الأولى لضياع مستقبل هذه الفئة ، وتضيف هذه الجهات أن حكومة الاحتلال تسعى من وراء ذلك إلى إخراج أجيال جديدة غير متعلمة وتشكو من مشاكل كثيرة ، ولا بد من الإدراك إلى أن التعذيب أو أية إساءة لحقوق الإنسان لها آثار بعيدة المدة فالهدف الأساسي من التعذيب هو تحطيم سلامة وشخصية وهوية المعرض للتعذيب وفي الحقيقة نجد أن المضاعفات النفسية كتذكر خبرة التعذيب أو حتى نوبات الذعر من الممكن أن تستمر لفترات أطول من.

وتؤكد التقديرات أن 80% من المعتقلين الفلسطينيين الأطفال الذين تم اعتقالهم خلال العام 2002 تعرضوا للتعذيب بأحد صنوف التعذيب الممارسة خلال التحقيق سواء كان هذا التعذيب بالضرب أو الشبح أو ربط الأيدي أو عصب الأعين أو الحرمان من النوم أو الحرمان من قضاء حاجاتهم الحيوية أو التهديد بالعنف أو الشتم والصراخ أو التعريض لدرجة حرارة منخفضة أو مرتفعة أو استخدام موسيقى صاخبة ومزعجة ومحاولة تجنيدهم كعملاء إضافة إلى أن هناك الكثير من الأطفال يتم تعذيبهم أمام والديهم من اللحظة الأولى لاعتقالهم ، ويقضي الكثير من الأطفال المعتقلين أوقاتاً في السجون أو خيم الاعتقال في ظل ظروف صحية سيئة ونقص في التغذية .

ومن الطبيعي أن المعتقلين الأطفال المفرج عنهم ، يواجهون عقبات ومشاكل سلبية قد يطول أمدها عن الأطفال في المحيط الذي يعشون فيه ، ويمكن إجمال أبرزها فيما يلي :

1-   الخوف من إعادة اعتقالهم مرة أخرى .

2- المعاناة من اضطرابات عصبية بعد الإفراج عنهم ، تحد من قدرتهم على التواصل مع أسرهم ورفاقهم والمجتمع بشكل عام، إضافة لعدم قدرة العائلة والأصدقاء على التعامل مع مخاوف الطفل المفرج عنه .

3- مشاكل صحية بسبب فترات الاعتقال والتحقيق الذي يترافق مع نقص العناية المناسبة وسوء التغذية ورداءة الوضع الصحي للزنازين والمعتقلات .

4- كثير من المعتقلين الأطفال ، لا يتمكنون من متابعة تحصيلهم العلمي بعد خروجهم من الأسر مع أقرانهم ، لا سيما الذين يقضون ما يزيد عن سبعين يوماً في المعتقل ذلك أن قرار وزارة التربية والتعليم الفلسطينية ، يقضي بأن يعيد الطالب سنته الدراسية كاملة ، إذا تغيب عن مدرسته المدة المذكورة أعلاه .

5- معاناة الأطفال من البطالة حيث إطلاق سراحهم بعد فترة طويلة من الاعتقال ، حيث لا يجدون فرص عمل ملائمة تؤدي إلى استقرارهم المعيشي والاجتماعي .

 

التوصيات :

لمواجهة ممارسة الاحتلال البغيض في حق أطفال فلسطيني ، ومن أجل التخفيف من آثارها وتداعياتها الخطيرة يوصي الباحث بما يلي :

1-         مطالبة المجتمع الدولي بضرورة العمل على توفير الحماية اللازمة للطفل الفلسطيني .

2-         فضح ممارسات الاحتلال في حق أطفال فلسطين عبر وسائل الإعلام والمحافل الدولية المعنية بحقوق الإنسان .

3-         الدعوة إلى محاكمة مجرمي الحرب الذين انتهكوا حقوق الطفل الفلسطيني وقتلوا طفولته بكل الوسائل اللاأخلاقية .

4-   توعية الأطفال الفلسطينيين وإرشادهم إلى اتخاذ كافة الإجراءات الأمنية التي تقيهم المخاطر حال استخدام الاحتلال لكافة أدواته القتالية ضد المواطنين .

5-   رعاية الأطفال المتضررين نتيجة ممارسات الاحتلال القمعية في حقهم والعمل على تأهيلهم من خلال مؤسسات اجتماعية وثقافية متخصصة .

6-   توعية الآباء والأمهات في فلسطين بأساليب الإرشاد والتوجيه التربوي والنفسي ليتعاملوا مع أبنائهم بطريقة علمية وسليمة .

7-         الاهتمام بتقديم خدمات غذائية وصحية ملائمة لأطفال فلسطيني المحتاجين بصورة مستمرة بما يكفل لهم النمو السليم .

8-   تطوير أساليب الإرشاد النفسي والتربوي المستخدمة في مراحل التعليم الأساسي وتدريب المتخصصين ورفع مستوى كفاءتهم المهنية .

9-   إنشاء مشاريع لتشغيل الأطفال الذين امتنعوا عن إكمال دراستهم نتيجة ظروف خاصة، حتى تكفل لهم الحياة الكريمة وتقيهم من الانحراف والاستغلال من قبل أصحاب العمل الجشعين .

10-  العمل على استمرار مسيرة التعليم رغم الظروف الصعبة التي يعشها مجتمعنا والحرص على تعويض الأيام الدراسية التي حرم منها أطفالنا .