
رام الله-نساء FM-خلال الأيام الماضية أشعلت تصريحات للمغنية الأميركية الشهيرة، بيلي أيليش، حول إدمانها على المواد الإباحية منذ عمر 11 عاما، تساؤلات عدة حول أسباب الاعتماد النفسي لدى بعض الأشخاص للحصول على المتعة من مشاهدة المحتوى الجنسي، والآثار الكامنة وراء مشاهدة الأطفال لهذا المحتوى.
هل هو "إدمان" بالفعل؟
يشير "مركز الإدمان" الأميركي (Addiction center)، إلى أن تقييم مشاهدة المحتوى الإباحي بشكل مكثف وتعريفه ضمن إطار الإدمان "تعد قضية محل نقاش واسع"، إذ "يعتبره بعض الخبراء إدمانا سلوكيا يتم تشخيصه كوسواس قهري، لأن البعض لا يمكنهم منع أنفسهم من متابعة المواد الإباحية، في حين يرى آخرون أن أدمغتهم لا تعمل كأدمغة المدمنين على المخدرات".
لكن المركز، المتخصص في علاج الإدمان بكافة أشكاله (الكحول والمخدرات والجنس)، ذكر أن "العديد من الدراسات تؤكد أن مشاهدة المحتوى الإباحي يعد إدمانا بالفعل".
ويضيف المركز عبر موقعه "بعض الأفراد يصبحون مهووسين في التفكير بالجنس وسلوكياته، لدرجة أنهم يقارنون حاجتهم إلى مشاهدة المحتوى الإباحي بالمدخنين المعتمدين على النيكوتين ورغبتهم في تدخين سيجارة".
وأظهرت دراسة نشرتها جامعة "كامبريدج" عام 2014، أن مناطق الدماغ لدى المعتمدين على مشاهدة المحتوى الإباحي، المخصصة لـ "المكافأة" (أو منح الشخص المتعة) تم تفعيلها لدى الأشخاص الذين عرض عليهم المحتوى الجنسي، بنفس الشكل الذي اختبره المدمنون على المخدرات والكحول عندما عرضت عليهم المواد التي يعتمدون عليها.
ويؤكد الدكتور أحمد خالد، مدير مستشفى "الأمل للصحة النفسية" في الإمارات، أن العقل البشري يعتاد على النشوة أو الشعور بالمتعة تجاه بعض السلوكيات.
ويشير، في حديثه لموقع "الحرة"، إلى أن بعض المخدرات تمنح ذلك الشعور من خلال إفراز هرمونات "السعادة" أو "المكافأة" بشكل كيماوي، وقد تؤدي بعض السلوكيات إلى الحصول على المتعة بالشكل ذاته، وبالتالي يصبح الشخص معتمدا عليها للحصول على السعادة.
ويقول الخبير النفسي الأميركي، بول بيكر، المتخصص في علاج المدمنين على المحتوى الإباحي، والمؤلف لحوالي 17 كتابا في الموضوع، إن "قياس" الإدمان لدى مشاهدي المحتوى الإباحي تعد "مشكلة عويصة".
ويضيف في حديثه لموقع "الحرة" أن "الشخص نفسه يجب أن يحدد فيما لو كانت تلك الإشكالية تؤثر على حياته أو حياتها".
وهناك مؤشرات على الإدمان الإباحي يوردها "مركز الإدمان" الأميركي عبر موقعه تتضمن كلا من:
إمضاء وقت طويل في مشاهدة المحتوى الإباحي.
عدم تمكن الشخص من التوقف عن مشاهدة أو ممارسة السلوكيات المرتبطة بالمواد الإباحية، رغم محاولات عدة لمنع ذلك.
الرغبة الشديدة في مشاهدة المواد الإباحية.
التعبير عن الغضب أو العنف عندما يطلب من الشخص التوقف عن مشاهدة المحتوى الإباحي.
فقدان الرغبة بالممارسات الحميمة مع الشركاء.
تجنب النشاطات الاجتماعية من أجل مشاهدة المحتوى الإباحي.
إخفاء كافة جوانب المشاهدات الإباحية، أو بعضها، على أحباء الشخص والمقربين إليه أو إليها.
ويؤكد الدكتور خالد أن تحديد الإدمان على المحتوى الإباحي في الدول العربية يعد "مشكلة كبيرة".
ويوضح أن "سكان دولنا عندما يسمعون عن الإدمان، يفكرون في المخدرات فحسب، وهذه في الحقيقة فكرة مغلوطة تماما .. لأن الإدمان هو نمط سلوكي، مثل الإدمان على القمار، فهناك أشخاص قد يخسرون كل ما لديهم على طاولة القمار ولا يمكنهم التوقف ويجربون ذلك مجددا، وهذا يمكن قياسه على قضايا كثيرة جدا".
ويضيف لموقع "الحرة" أن سكان الدول العربية لا يعتبرون الإدمان السلوكي إدمانا، مثل الإدمان على الحشيش، "لأن فكرة الإدمان لديهم مقتصرة على الأعراض الجسدية التي قد يعاني منها الشخص الذي يحاول التخلص منه، إلا أن ما لا يدركونه أن الحشيش هو نمط سلوكي وقد تترتب عليه مشاكل أسرية ونفسية ومجتمعية".
ويلخص الدكتور خالد مفهوم الإدمان بأنه "أي سلوك قد يسبب لفاعله أي مشكلة ويدفعه إلى أن يفقد القدرة على التحكم بهذا السلوك أو التوقف عن ممارسته".
"دمار العلاقات الحميمة" يبدأ منذ الصغر
خبراء الصحة النفسية يؤكدون أن المدمنين على المحتوى الإباحي يكبرون بشعور بـ "العار" ويكونون صورة "مغلوطة" للممارسات الجنسية، قد تتجلى أضرارها في العلاقات الحميمة على أرض الواقع، بالأخص إن تابعوا هذا المحتوى بأعمار يافعة.
لهذه المشكلة "تأثير مدمّر على العلاقات الحميمة"، يقول بيكر، "تتدمر العلاقات الأسرية، بالأخص عندما يفضل الرجل (أو المرأة) مشاهدة المحتوى الإباحي على ممارسة الجنس مع الزوجة (أو الزوج)".
ويضيف الخبير النفسي الأميركي "تبدأ معظم حالات الإدمان على المحتوى الإباحي، بطفل قد يعثر على مجلة 'بلاي بوي' ويمكنني أن أقول إن 90 في المئة من الرجال الذين يتحولون لمدمنين تعرضوا لتلك المواد خلال طفولتهم".
من جهته، يقول الدكتور خالد: "أتاني رجال يبكون، لأنهم لا يمكنهم التوقف عن مشاهدة المواقع الإباحية"، مشيرا إلى أن بعض هؤلاء الرجال متزوجون، "ومنذ الصغر بدأ ينشأ لديهم الإدمان" على تلك المواد.
وبسبب النماذج "الخيالية" التي قد تعرضها تلك المواقع الإباحية للعملية الجنسية "تنشأ لدى بعضهم نشوة في مشاهدة المحتوى قد لا تأتيهم من شركاء حياتهم، بالذات إن كان الشريك غير قادر على تجاوز الصور النمطية والتخيلات التي تستعرضها المواقع الإباحية، بالتالي يتعرض الشخص لخلل واضطراب نفسي، لأنه يشعر بمتعة عبر مشاهدة المحتوى الإباحي أكثر من العلاقات الفعلية".
وينوه بيكر أيضا إلى أن "الوقت الذي تمضيه المرأة أو الرجل في مشاهدة المحتوى الإباحي، يلهيهم عن قضاء وقت مع شريك حياتهم، فتفتر العلاقة مع العائلة وتتشتت".
"ثقافة منقوصة"
لا توجد أرقام تحصي معدل انتشار الإدمان على المحتوى الإباحي في الدول العربية، وفقا لمدير "مستشفى الأمل للصحة النفسية"، لكنه يقول إنه بالتأكيد "يفوق التصورات".
ويوضح: "إن أتتنا 100 رسالة أو اتصال للمستشفى في اليوم الواحد، لا يقل عن 50 أو 60 في المئة منها يسألون فيها بشكل مباشر عن إدمان الإباحية وعن مشاكل تتعلق بالإدمان الجنسي".
"لماذا تنتشر هذه الظاهرة بشكل يفوق التصور في دولنا العربية؟" يتساءل الدكتور خالد ويجيب "لدينا مشكلة أساسية في موضوع التربية الجنسية، ثقافة التعامل في موضوع الجنس هي ثقافة منقوصة في العالم العربي".
ويوضح "يربى الطفل في المجتمعات الأكثر تشددا على أن كافة الأمور المتعلقة بالجنس تعتبر 'عيب' أو 'خطا أحمر'، ويتحاشى الأب والأم التكلم عن الجنس بطريقة علمية أو صحيحة للبنات والأولاد".
ويضيف "هذا يدفع بفضول الطفل أو المراهق أن يتجاوز هذا 'الخط الأحمر' ليبدأ بالشعور باللذة أو المتعة في موضوع لم يوضحه أحد، فيصبح الممنوع مرغوبا.. ليتحول هذا السلوك إلى 'مخرج' للشعور بالمتعة أو اللذة، ومن هنا تنشأ الاعتمادية على هذا المحتوى".
وقبل أيام وجهت مفوضية الأطفال في بريطانيا تنبيها للآباء والأمهات بضرورة الحديث مع الأطفال حول المواقع الإباحية والمحتوى الجنسي عبر الإنترنت، وفقا لما نقلته صحيفة "الغارديان".
وقالت مديرة المفوضية، رايتشيل دي سوزا، إن أولياء الأمور عليهم أن يوضحوا الفروق بين المحتوى الجنسي عبر الإنترنت وبين العلاقات الحميمة على أرض الواقع بأعمار يافعة، قد تصل إلى تسع سنوات، مؤكدة "تحدثوا إليهم بعمر مبكر، وبشكل متكرر".
وتعمل السلطات البريطانية على توفير إرشادات قد تقود الآباء والأمهات لشرح العملية الجنسية للأطفال بشكل مناسب لأعمارهم، وتقول مديرة المفوضية: ""قد تتفاجأ كيف شعر شبابنا أنه كان يجب على آبائهم بدء المحادثة في مراحل مبكرة. لكن الأطفال يريدون محادثة مناسبة للعمر تتطور بمرور الوقت بما يتماشى مع نضجهم المتزايد".
الحلول
الاستشارة النفسية تعد من أفضل الطرق التي يمكن من خلالها علاج الإدمان على المواد الإباحية، وفقا لما يقوله الخبراء.
ويؤكد الدكتور خالد أن المدمنين على المواقع الإباحية يحتاجون إلى "إعادة تأهيل نفسي وسلوكي، فهي مشكلة ليست عضوية، ولا تتطلب أدوية، بل برنامجا للاستشارة النفسية".
ويرى بيكر أن بعض الاستشارات، وفقا لرغبة الفرد نفسه، قد يشارك فيها أفراد من الأسرة أو شريك الحياة لدعمه نفسيا.
ويضيف الدكتور خالد أن علاج للمدمنين على المحتوى في الدول العربية بشكل خاص يشهد عددا من المعيقات، "فمن الصعب أن يأتي رجل أو امرأة لطلب المساعدة في الحصول على علاج، لشعورهم بالخجل مما يمرون فيه أو الحديث في الموضوع أصلا، ما قد يؤدي إلى تفاقم المشكلة، والتسبب بتفكك الأسر".
