الرئيسية » تقارير نسوية » نساء فلسطينيات »  

رنا زيادة.. قصة المعلمة الملهمة التي جمعت طالبات الضفة وغزة معا!
26 تشرين الثاني 2020

 

رام الله-نساء FM- سرين عوض-محاصرة العقول: لم يكتفي الاحتلال من محاصرة غزة وفصلها عن باقي فلسطين من خلال وضع حواجز عسكرية مشددة، انما حاول بلورة حواجز عقلية غير مرئية جعلت من الممكن صعب، التواصل الالكتروني  بين الطلبة في شقي الوطن نموذجاً

تأمُل في"محاصرة العقول"! 

عام 2014، وبالتحديد في مدينة غزة، المعلمة رنا زيادة كانت تشرح درساً في مادة الرياضيات فاجأتها إحدى طالباتها في الصف الحادي عشربالسؤال التالي:" مس، هم بنات الضفة ايش لون زِيّهم المدرسي؟" سؤال لم تكن رنا تعرف إيجابته، فردت:"ايش رأيك يا مس انت تبحثي وانا ببحث وبنرجع بكرا بإيجابات " بالرغم من بساطة السؤال ومروره مرار الكرام في تلك الحصة عند الطالبات، الّا انه فتح باباً من التساؤلات عند رنا: فما علاقة هذا السؤال بالدرس؟ وذهبت بالتساؤل الى أبعد من ذلك، فكيف استطاع الاحتلال من خلال حصار غزة جغرافياً خلق حواجز معرفية ونفسية واجتماعية؟ وبدأت تفكر في دورها كمعلمة في تقريب المسافة الفكرية والاجتماعية، ومسؤليتها لايجاد طرق للتواصل مع العالم المجهول بالنسبة للطالبات.

فكرت رنا طويلاً في سؤال الطالبة السابق "ما-شو شكل ولون-الزي المدرسي الخاص بطالبات الضفة الغربية؟" وخرجت بفكرة عمل مجموعات مشتركة تجمع طالبتها من مدرسة الزهراء الثانوية"أ" في غزة بطالبات أخريات من مدرسة وداد ناصر الدين وسط الخليل، تعمل ضمن موقع الكتروني، كانت رنا صممته ذاتياً في مرحلة سابقة ضمن مشروع"رحلتي المعرفية"، هدف الموقع الظاهر هو تبادل خبرات واكتساب طرق تعلم مختلفة خاصة بمادة الرياضيات بين الطرفين أما الهدف الضمني والذي من خلاله حاولت رنا كسر حواجر الحصار المعرفية وهو التعرف على طبيعة الحياة في مدينة الخليل، أساليب التدريس، العادات والتقاليد، وبالتأكيد معرفة شكل ولون الزي المدرسي الذي ترتديه الطالبات في مدينة الخليل!

رنا ..

عادت الى غزة بعدما أمضت 16 عاما من عمرها في العاصمة الجزائرية الجزائر، إذ كانت وعائلتها ترافق والدها المعلم بعد حصوله على فرصة عمل في إحدى مدارس الجزائر العاصمة، أحبّت رنا -وهي الفتاة الكبرى في عائلتها- مهنة والدها وكانت ترافقه من خلال شبابيك منزلها المطل على مدرسته وتتعقب رحلته اليومية، ولامست أنذاك علاقته مع طلابه والمحبة التي جمعت بينهم، مما جعلها تشعر بالفخر أنها ابنة هذا المعلم وأرادت أن تصبح مثله.

 أتمت تعليمها الثانوي في غزة، والتحقت بكلية العلوم لتدرس بكالوريوس رياضيات حاسوب، وبعدها أكملت دراسة دبلوم تربية ثم بعد عدة سنوات من التدريس حصلت على درجة الماجستير في مناهج وطرق تدريس الرياضيات.

" مش المهم معرفتك كأستاد للمادة وانما كيف توصّل الي بتعرفه لطلابك، المطلوب هو أن نجدد بأساليبنا عشان نزيد من دافعية الطلاب للتعلم، لواستمرينا على نفس الاسلوب والروتين القاتل رح يبعد الطلاب عن مدارسهم" رنا

 منذ بداية مسيرتها المهنية عام 2004 قررت أن تبحث عن أساليب غير تقليدية في التدريس، وتعزيز قيمة المعرفة المكتسبة من مادة الرياضيات عند الطالبات، لذلك ركزت على استخدام التطبيقات الحياتية نهجا، استطاعت من خلاله ربط مادة الرياضيات بالحياة اليومية للطالبات.

 عند التأمل بالحاجة التي دفعت زيادة لايجاد أساليب مختلفة في تدريس مادة الرياضيات على وجه الخصوص، نرى أن أغلب الطلبة لا يشعرون بقيمة وأهمية هذه المادة في حياتهم اليومية، فماذا نستفيد من تعلم الاقترانات، والمصفوفات وغيرها. تستذكررنا بداية عملها، أن إحدى طالبتها وجهّت لها سؤلاً عن أهمية ما تكتسبه من حصة الرياضيات. وهو ما دفعها للتفكير في جدوى تعليم الرياضيات. تقول رنا: "حينها أخذت على عاتقي كل اشي بدرسه يكون في اله رابط بحياة الطالبات اليومية، فقررت كل حصة بشرحها لازم يكون في تطبيق حياتي".

استخدمت خامات البيئة لصنع وسائل تعليمية مساعدة لشرح حصص الرياضيات. عملت مبادرات مجتمعية تنمي من خلالها مهارات الطالبات الاكاديمية، ومهارات ذاتية كتعزيز ثقة الطالبات بأنفسهن، مهارات التواصل والاتصال من خلال الفعاليات المختلفة التي كانت تنظمها ضمن الحصص الصفية الوجاهية والافتراضية.

"المعلم يلي بيتبع اسلوب واحد في مسيرته هو يلي بيمل، انا ما عندي نمط ثابت، ماشية مع التغيرات الي بتصير والظروف الموجودة والميدان ايش بده."رنا

عام 2014 أدركت رنا حاجة دمج التكنولوجيا في التعليم وحينها لجأت لتصميم مواقع الكترونية عبر ”Google "classroom”و” Google Sites”. تحتوي هذه المواقع على مهام وواجبات منزلية خاصة بمادة بالرياضيات، وبعض التطبيقات الحياتية الخاصة بكل درس لكي تتمكن الطالبات من تعزيز أهمية المادة المكتسبة وتوظيفها في حياتهن اليومية.

تقول رنا أن الحصة الصفية الواحدة يوميا لا تكفي لشرح المادة المطلوبة وحل الأسئلة وإعطاء نماذج واقيعة تقريبية من الواقع لذلك لجأت لفكرة المواقع الالكترونية والتي حملت اسم"رحلتي المعرفية".

رحلتي المعرفية: موقع الكتروني صممته رنا بنفسها، يحتوي على مهام خاصة بمادة الرياضيات، إلى جانب تطبيقات حياتية تعزز المعلومات المكتسبة في الحصص الدراسية وتحاول توظيف المعرفة والمعلومات في حل مشاكل وقضايا معينة تعاني منها الطالبات.

نظام”STEM”

هو نظام تعليمي يهدف إلى الجمع بين مواد التعليم العلمية الأربعة الأساسية وهي(الرياضيات-الهندسة-العلوم-التكنولوجيا) ويعمل على المزج بينهم والترابط والتكامل التام. وكلمة STEM هي اختصار لأول كل حرف من الكلمات التالية: (Science- Technology- Engineering- Mathematics)، ويهدف هذا النظام الى تهيئة الطالب للتعامل مع الواقع العملي المعاصر وكيفية التأهيل والاستعداد للوظائف المستقبلة، فمعظم الوظائف حاليًا تتطلب كفاءة في المجالات العملية وأن يكون الشخص قادرًا على استخدام مهارات التفكير النقدي والعمل في إطار جماعي

منذ خمسة سنوات بدأت زيادة باستخدام نظام "ستيم" في التعليم وذلك لربط مادة الرياضيات بالمواد الأخرى والواقع من خلال إعطاء مساحة للطالبات للتفكير بمشاريع معينة تهدف لحل بعض المشكلات التي يعاني منها المجتمع اعتمادا على المادة المعرفية المكتسبة من الرياضيات وهنا استطاعت رنا كسر جمود هذه المادة وإضفاء الحياة عليها.

 مشكلة عدم توفر التيار الكهربائي وشبكة المياة في ذات الوقت داخل القطاع، دفعت مجموعة من طالبات زيادة لوضع حل لها ، جاء ذلك ضمن مشروع تقدمن به الطالبات في إطارالتعليم بنظام"ستيم"، وتقول رنا موضحةً فكرة المشروع "في الرياضيات هناك وحدة اسمها المنطق، هذه المجموعة حاولت أن تجد حلاً لمشكلة يعاني منها المجتمع من خلال توظيف ما اكتسبنه داخل الصف، فصممنّ مجسم مزرعة، وضعن داخلها كبسات كهرباء، ومروحة صغيرة عليها رشاشات مي، ليسرعن عمل الرشاشات وتصل الماء إلى أبعد مدى في وقت أقصر، هذا إذا جاءت الكهرباء والماء معاً". "هذا رياضيات وبنفس الوقت هذا حل لمشكلة ترتبط بالواقع" رنا"

نتواصل بالعيون

 "انهدم بيتي بالكامل في الحرب عام 2008، لما ينهدم البيت مش بس الحجارة الي بتروح في كثير مواقف وقصص بتنهدم معه، ووقتها شفت بعيون أطفالي الأربعة نظرة مستحيل تروح من بالي، نظرة عبرت عن الحرمان الي حاربت كثير عشان ما أشوفها بعيونهم، ومن وقتها صرت أشعر بحاجات الأطفال والصبايا الي علمتهم من خلال نظرة عيونهم ".

رنا في عيون طالباتها

 شيماء خليفة إحدى طالبات المعلمة رنا، ما زالت تتذكر حتى اليوم أسلوبها بعد مرور خمس سنوات على تدريسها مادة الرياضيات، تقول شيماء"مشيتها كانت مختلفة، كانت كثير واثقة من نفسها، طريقتها بالتدريس كانت مميزة وكنا ننتظر حصة الرياضيات بفارغ الصبر، ما كان يهمها العلامات، المهم كيف نبني شخصيتنا، نقوي من ثقتنا بحالنا ونكون قادرين نعبر عن احتياجتنا ونشعر باحتياجات المجتمع ونساهم في ايجاد حلول لمشكلات بنعاني منها وكمان من خلال الرياضيات".

 حظيت شيماء بفرصة المشاركة بمشروع"رحلتي المعرفية" المشترك بين غزة والخليل، وترى أن هذه التجربة كانت الأجمل والأكثر تأثيرا علي نفسها. تواصلت مع زميلتي بيسان من الخليل وكنا نتشارك الأساليب التدريسية بحيث أنا أشرح المهام بطريقتي وأرسلها لها تعرضها لطالبات الخليل وهي كذلك، الأجمل من كل ذلك أننا تعرفنا على الخليل بعيون طالبتها ونحن كذلك نقلنا صورة غزة وحياتنا فيها بعيوننا، أدركت حينها أن التواصل فيما بينا ليس صعباً لكن الاحتلال استطاع أن يغرس الحصار داخلنا ليصور لنا هذا التواصل أمرا صعبا لكن التجربة كانت برهان، استطعنا التغلب على جدان المعرفة لنتعرف على عوالم أخرى كانت غريبة بالنسبة لنا، وبالتأكيد لولا فكرة المعلمة زيادة لما استطعنا تحقيق ذلك

 أقصد بأن "التعليم "ليس فقط ما نقوله ونكتبه على اللوح، انه فن حياة. والطالب الذي لا يستطيع أن يشعر بالحياة في معلمه لا يتعلم منهم الا الموت".الرشاقة الذهنية، حسين البرغوثي   

 تستذكر رنا بعض القصص التي كانت لها وقعا كبيرا في نفسها خلال مسيرتها التعليمية، ومن بين تلك القصص، قصة طالبة فقدت شقيقها وابن عمها واصيب الدها إصابة بالغة دخل على اثرها العناية المكثفة خلال شجار عائلي، كانت هذه الاحداث كفيلية لتدخل الفتاة في حالة صدمة وتفقد حاسة النطق، تقول رنا: عندما كنت أشاهد هذه الفتاة وأرى عجزها وصعوبتها مع النطق لم أكن أتحمل ذلك، حاولت مراراً دمجها ضمن مجموعات حتى وقفت وعرضت مشروعا وتغلبت على صعوبة نطقها، كان ذلك المشهد بمثابة هدية عظيمة قُدمت لي، لا أستطيع نسيان هذا المشهد وتلك الفتاة، في كثير من الأحيان أقول أنني معلمة فقط ينحصر تُأُثيري وعلاقتي مع الطالبات داخل الغرفة الصفية؛ لكن الرسائل الكثيرة التي تصلني منهن والمواقف التي تجمع بيني وبينهن تأكد أنني أعني لهن الكثير، حتى أن بعضهن يترددن لأخذ نصائحي في حياتهن الشخصية.

"احنا مش شعب بيبنكى عليه بالعكس احنا أقوياء جدا" رنا

بالرغم من التحديات التي واجهت رنا خلال مسيرتها التعليمية على الصعيد الشخصي والمهني، الا أنها استطاعت تغييروابتكار أساليب تدريس جديدة، وتوظيف أقصى جهودها لتنمية قدرات الطالبات. انقطاع التيار الكهربائي بشكل مستمر، وضعف شبكة الانترنت، وعدم توفر أجهزة الكترونية لكل الطالبات تعد من أبرز الصعوبات التي تواجهها في تطبيق أساليبها التدريسية، لا سيما الالكترونية، لكنها كانت تتأقلم مع طالباتها في ظل هذا الوضع. على سبيل المثال كانت تستخدم الموقع "رحلتي المعرفية"المزود بكل المواد المطلوبة الصفية واللامنهجية، وتعطي الطالبات حرية تحديد وقت مشاهدة المهام وحلها وارسالها بما يتناسب مع ظروفهن الخاصة بالكهرباء والانترنت.    

  أما عن الحصار المفروض على قطاع غزة منذ عام2006،ومدى تأثيره عليها كعائق أساسي يقف أمامها كباقي سكان القطاع، قالت رنا: "فزت بجائزة أفضل معلم فلسطيني عام 2017 ، كل الناس حاضرين برام الله الا انا بغزة ، قاعدة بسمع اسمي بيحكيه د.رامي الحمدلله وانا جالسة بسمعه بس ما بقدر أروح أستلم الجائزة ، ما قدرت أروح على رام الله ، معبر رفح مسكر والاحتلال ما سمحلي أطلع، كانت فرحة وغصة كبيرة بنفس الوقت بس معلش متأكدة أنه الجاي أحلى".

في رصيد رنا العديد من الجوائز والألقاب كان أولها عام 2014 إذ حصلت على جائزة الهام فلسطين/ المعلم الملهم ، جاءت الجائزة عن الوسائل التعليمية التي تستخدمها زيادة في الرياضيات من خامات البيئة. عام 2019 كانت من ضمن أفضل 50 معلم حول العالم مع مؤسسة"فاركي فاونراشن"، وهذا العام قدمت لها جائزة مؤسسة التعاون للمعلم المتميز وغيرها من الجوائز والألقاب التي حصلت زيادة عليها طوال الـ16 عاما من التدريس، جميع هذه الجوائز كانت بطلب تقديم ذاتي منها.

لكن مؤسسة المرأة العالمية الأمريكية فاجأت رنا بداية شهر تشرين أول لهذا العام بفوزها ضمن 60 أمرأة الأكثر الهاما حول العالم عن مجال التعليم، تقول رنا عن هذا الفوز" مؤسسة المرأة العالمية هي مؤسسة عريقة واختيارها الي مع شخصيات عالمية منهن رئيسة دولة، وناشطة سلام، ومغنيات وكاتبات..الخ وبدون ما أنا أقدملهم! هذا فوز بيعنيلي كثير وهو تتويج لحصيلة خبرة عملية طويلة في مجال التعليم، هذا الفوز راح يخلينا أركز أكثر على تعزيز دور الفتيات واشراكهن في المجتمع".

تحرص رنا على توثيق كل الفعاليات والأساليب التي تستخدها في التدريس عبر حساباتها على تويتر وفيس بوك في محاولة منها لإثارة فضول باقي المعلمين والمعلمات ودفعهم لتجديد طرق التدريس لزيادة فعالية الطلبة.

"كل فوز بحصل عليه بيضع على عاتقي مسؤليات أكبر وكل انجاز بدو انجاز أكبر منه". كما تقول رنا .

هذه المواد انتجت ضمن مشروع "حل ميديا"  بالتعاون مع الوكالة الفرنسية لتنمية الاعلام -مشروع الارشاد والتثقيف الصحفي