الرئيسية » تقارير نسوية » نساء في العالم العربي »  

التحرش: السر المعلن في حياة صحفيات عربيات
16 تشرين الثاني 2020

 

رام الله-نساء FM-إنها مجرد سيناريوهات متخيلة راودت بالفعل صحفيات عربيات شاركن مع بي بي سي عربي مواقف تحرش قلن إنهنّ مررن بها، وما زلن يتذكرنها جيدا، ويتذكرن تفاصيل الأفكار التي تراودنهنّ كلما جاء ذكر اسم المتحرش أمامهن - الذي غالبا ما يكون زميلا أو مديرا أو ضيفا ذا نفوذ.

لن نعرض أسماء الصحفيات أو المتحرشين بهن، فالهدف هو عرض مدى اتساع نطاق التحرش نظرا أو لفظا أو لمسا.

ورغم أن قصص التحرش بالصحفيات منتشرة في كل المجتمعات، إلا أن هناك قوانين في بعض الدول تمنح المرأة منفذا باتجاه العدالة، التي يصعب الوصول إليها في أحيان كثيرة، أما في الدول العربية فقوانين حماية المرأة لا تزال قاصرة في كثير من جوانبها.

"حين كنت أشارك في تغطية أحد النزاعات المسلحة، كنت أرتدي درعاً وخوذة للحماية. لكنّي حين أذهب لإجراء مقابلة مع سياسيّ لبناني، أتذكّر ذلك الدرع، وأتحضّر نفسياً لنظرات تعرّيني، وللمسات غير مرغوب بها". بهذه الكلمات، تختصر الصحفية اللبنانية، ليلى (اسم مستعار)، تجربتها مع التحرّش خلال العمل.

تعمل ليلى حاليا في إحدى القنوات التلفزيونية، وتخبرنا أنّ التحرّش اللفظي والشعور بالخطر، سواء عند التغطية الميدانية أو عند إجراء تقارير ومقابلات، جزء من يومياتها منذ عشر سنوات.

"تماماً كما أعدّ أسئلتي وبحثي حول أي موضوع، كذلك أتحضّر نفسياً لسماع عبارات لا أرغب بسماعها، أو لرفض عروض للقاءات خارج الإطار المهني".

يصعب على الصحفية الشابة الإكتفاء بسرد قصّة واحدة، أو إحصاء عدد المرّات التي تعرّضت فيها لتحرّش باللفظ أو الايماء. إذ يرافقها الشعور بالانتهاك يوميا. "بعد إنهاء مقابلة مع أحد الوزراء دعاني لشرب كأس ويسكي، فرفضت.

أحاول دائماً أن أكون صارمة، أنتبه لكلّ حركة أقوم بها، لا ألبّي الدعوات إلى موائد السياسيين، كي لا أجد نفسي في موقف مماثل، ولكن لا مفرّ".

تتابع: "خرجت من مكتبه ظناً مني أنّ الموضوع انتهى عند ذلك الحدّ. لكن يبدو أنه لم يتحمّل رفضي.

التقيته خلال تغطية أخرى، في مكان عام، بوجود شخصيات معروفة وصحفيين، فإذا به يمرّ بجانبي ويقول لي بصوت عالٍ على مسمع من الجميع: "صرلي زمان ما شفتك، لازم شوفك"، كأنّ هناك لقاءات دائمة بيننا".

تعتقد ليلى أنّ في الأمر شيئا من فرض السطوة، فبرأيها يحاول الرجال ذوو النفوذ، "فرض سلطتهم على أجساد الصحفيات، وإن لم يقدروا على ذلك بالفعل، سيفعلون ذلك بالكلام، المهمّ ألا تُخدش نرجسيتهم، أو يشعروا أنّ امرأة في أوساطهم تمتلك خيار الرفض".

ترى الصحفية أنّ الفساد المستشري في البلد، امتدّ أيضاً للإعلام، وتخبرنا أنّ موضوع التحرّش بالصحفيات وطلب خدمات جنسية منهنّ مقابل معلومة أو سبق، من الأسرار المعلنة في الوسط الإعلامي اللبناني.

وتتابع: "لا أعرف صحفية أو مراسلة لم تتلق رسائل على هاتفها خارج إطار العمل، من ساسة أو من مستشاريهم، إلا في ما ندر. وحين ترفضين أو تحاولين وضع حدّ لهم، أو تعبّرين عن شعورك بالإهانة، يقولون لكِ: 'لماذا ترفضين؟ ألست صحفية؟' كأنّ المتوقّع من النساء العاملات في مهنتنا أن يتقبّلن الانتهاك اللفظي أو الجسدي برحابة صدر".

وتشير دراسة صدرت عن الجامعة الأمريكية في بيروت عام 2015 بعنوان "مواجهة التمييز والتحرّش الجنسي المتفشي في الإعلام اللبناني" إلى أنّ التحرّش يؤثّر على المستقبل المهني لنحو 82 بالمئة من الصحفيات في لبنان.

استطلعت الدراسة آراء أكثر من 250 صحفية قالت 10 بالمئة منهنّ إنّهن فكّرن بالاستقالة من العمل بسبب التحرّش اللفظي أو الجسدي، أو بسبب التهديد الناتج عن رفض تقديم خدمات جنسية. وأظهر الاستطلاع أنّ نصف المشاركات فيه تعرّضن للتحرّش مرّة واحدة على الأقلّ خلال عملهنّ.

وقالت 60 بالمئة منهنّ إنّهن يتعرّضن للتحرّش اللفظي (التعليقات الجنسية والشتائم والقصص ذات الطابع الجنسي)، و48 بالمئة منهنّ يتعرّضن للتحرّش الإيمائي (التحديق، والغمز، والحركات الجسديّة.

معظم العاملين في مجال الصحافة في لبنان، يعرف صحفيات تعرّضن للمس بطرق غير لائقة، أو تلقين رسائل في أوقات متأخرة من الليل من شخصيات سياسية.

ومن القصص التي تتردّد في روايات عدد من الصحفيات، أنّ أحد السياسيين كان يرتدي ثوب الحمام فقط أثناء المقابلات، ويحاول أن يظهر أجزاء عارية من جسده خلال اللقاء. كما تقول مراسلات إنّ بعض النواب حاولوا محاصرة صحفيات في مكاتبهم في المجلس النيابي .

 

تخبرنا ليلى: "أثناء إجرائي مقابلة مع أحد الشخصيات المعروفة، بدأ يقوم بحركات إباحية بلسانه ووجهه، ويغمزني بطريقة ذات إيحاء جنسي، فلم أستطع مواصلة النظر في وجهه، وبقيت أحدّق في الأرض طوال المقابلة". وتضيف: "في كلّ مرّة أصادف موقفاً مماثلاً، تجتاحني أفكار هدّامة. أشكّ بنفسي. هل كان هناك ما أعطاه مؤشراً على أنّي قد أقبل منه تصرفاً كهذا؟ هل قلت شيئاً يمكن أن يُفهم كدعوة؟ هل أوحت ابتسامتي بشيء أكثر من اللباقة المهنيّة؟ ألا يبدو عليّ أنّني امرأة محترمة؟".

تشعر ليلى أنّ التباعد الاجتماعي الذي فرضه وباء كورونا، كان له تأثير إيجابي، لأنّه جنّبها مواقف "مؤذية ومقرفة"، كما تقول. "على الأقلّ لم أعد أسمع نكتاً بذيئة، وأدّعي أنني لم أنتبه أو لم أفهم، ولم أعد أصادف مسؤولين يمرّون بجانبي أو من خلفي ويحاولون تمرير أجسادهم على مسافة قريبة جداً من ظهري أو ملامستي".

وتقول ليلى إنّ زيارة مقار رسميّة أو مكاتب سياسيين أشبه بالمشي في حقل ألغام، يضاف إليه التحرّش خلال التغطية الميدانية، من مارة يحاولون تقبيل المراسلات أو لمسهن. "في الليل أشعر أحياناً أنّ هناك أيادى على جسدي، وأنّي أريد أن أنزعها عني، أو أن أقتلع جلدي من مكانه، لأحرقه لأطهّره، هذا الجوّ الموبوء ينعكس على صحتي النفسية بطريقة سلبية جداً".

لم تفكّر ليلى يوماً بتوجيه شكوى، فالقوانين لا تردع والمؤسسات الإعلامية المحليّة لا تضع سياسات لحماية صحفياتها في الميدان من التحرّش.

تقول إنّها تفضّل أن تحتفظ بهذه القصص لنفسها. "تخيلي أن يُنشر اسمي في شكوى تحرّش، أعرف أنّ أوّل ما سيُقال هو أنني كنت أرتدي ملابس غير لائقة، أو أنني حاولت استغلال جسدي للحصول على معلومات أو امتيازات، وهذا ما تفعله بعض الصحافيات للأسف، ربما لأنّ المال والسلطة يفسدان كلّ شيء".

لو أتيحت لها العودة إلى مواقف سابقة كيف كانت تتمنّى أن تتصرّف؟ تجيب ليلى: "أصفعه على وجهه، من دون تردّد، الكلام لا ينفع مع هؤلاء".

سما: "أتمنى لو واجهته بما فعل"

في أواخر سنوات مراهقتها، أحبت الليبيّة سما (اسم مستعار) دخول عالم التلفزيون، وكانت تحلم بالحصول على فرصة في إحدى القنوات، حتى نحجت بالعمل في هذا المجال قبل أن تبدأ دراستها الجامعية، وأسعدها دعم مدير المحطة لها.

كان رجلا خمسينيا على الأقل كما تتذكر، وكانت طريقته معها "أبويّة"، جعلها تشعر كأنه كان يقدم لها الرعاية كشابة تخطو أولى خطواتها في هذا العالم الجديد.

"كانت هناك تلميحات من طرفه. لم تكن واضحة. كانت تلك بداية إدراكي أن الناس الذين يملكون سلطة كبيرة يتعرضون للناس الأصغر والأضعف. كانت مجرد تلميحات على شكلي وعمري. كان يناديني لأدخل مكتبه المغلق المحاط بحرّاس من الخارج. كنت صغيرة لا أفهم ما يجري. كان يحكي بطريقة معينة عامة، فيسأل مثلا عن عائلتي وعن دراستي. وكان يقول لي 'نحن سعيدون بعملك ونريد أن نكافئك'. كان أحيانا يلمس شعري. كنت أنا جديدة على هذا الجو".

كيف كان شعورك عندما يلمس شعرك؟ تجيب سما: "كنت أشعر بالتقزز والخوف".

 

وماذا كنت تفعلين؟ "كنت صغيرة. كان يظهر عليّ الرفض. كنت أرجع للوراء. بعد فترة فهمت ما كان يجري".

تركتُ المحطة، وتقول إن الأمر لم يؤثر على نفسيتها كثيرا، فهي دائما ما بررت لنفسها ما حدث بالقول إنها كانت صغيرة وقتها.

ثم انتقلت للعمل في مكان آخر. ومرة أخرى، كان المدير أربعينيا وهي لم تكن قد بلغت عشرين عاما بعد.

تقول سما: "كان المدير شخصا مثقفا ومتمكنا من عمله وكان يظهر على كثير من الفضائيات. وأنا في تلك المرحلة كنت أريد أن أتعلم منه كل شيء عن كتابة الأخبار وتحريرها وقراءتها. كان يعطيني كتبا وينصحني بقراءات تفيد شغلي. عرض عليّ أن أساعده في إعداد برنامج وازدادت الاتصالات بيننا وكنت أشعر بالانبهار به كصحفي".

كان مديرها الجديد يحاول "التقرب" منها كما تقول الآن، لكنها في تلك الفترة لم تكن تشعر أنه تقرّب؛ بل أحست أنه دعم ومساعدة لها لكي تتطور مهنيا، وكانت فرحة بكونه كان يعلّمها أصول المهنة، حتى أنها تقول إنها "استفادت جدا" من تلك التجربة.

وبعدها بسنوات أصبح مديرا في قناة جديدة، واستدعاها للعمل معه، وكانت هي قد أصبحت في منتصف العشرينيات وقد عملت في عدة مؤسسات صحفية وتقول إنها نجحت بصناعة اسمها كصحفية متمكنة من عملها.

لماذا قبلتِ العمل معه؟ تقول سما: "كان كل اعتقادي أنه طلب مني العمل معه لأنه أحب شغلي. استشرت أمي بالموضوع. وكانت قد مرت فترة منذ رأيته أخر مرة، ولم أعتبر أنه قد حصل أي شيء (غير مناسب) من طرفه. وكان عرض العمل جيدا. كنت أظن أني سألتقي به مرات قليلة فقط".

ولكن بعد ذلك، بدأ يراودها شعور بعدم الارتياح أثناء العمل معه، وتطور هذا الشعور تدريجيا.

"المشكلة أنك لا يمكنك أن تمسكي شيئا ضده. لديهم طريقتهم. طريقة غير مباشرة. لهذا السبب لا تتكلم النساء. عندما انتقلت للمحطة الجديدة كان، مثلا، ينظر إلي عندما يتكلم معي من فوق لتحت. كان يوترني وهو يقول لي أيضا ألا أرتدي بنطالا ضيقا حتى لا ينظر زملائي في العمل لجسدي".

"كان يعاملني بطريقة استثنائية. اعتقدت أولا أن ذلك بسبب عملي الجيد. ولأننا نعرف بعضنا من قبل. لكن عندما اقترحت عليه أن أعمل على برنامج خاص بي طلب مني مقابلته خارج المكتب. لم أكن مرتاحة. طريقته فيها خبث. لو قال يمكن أن نشرب قهوة في مقهى مثلا كان ممكن أن أقبل لكنه كان يلمح أنه يريد أن يأتي إلى شقتي. كان يعرف أين أسكن. كان يقول بوضوح: بمر لعندك".

تضيف سما: "كنت لا أعرف كيف أتصرف. كنت أغير الموضوع. كنت ساذجة. كنت أعتقد أن عملي جيد وهذا ما لفت نظره. لم أشعر أنني مدللة كما كان يرى زملائي. لكنني الآن أعرف أنه كان يستغلني".

مرة قال لها إنه يريدها أن تعمل على برنامج جديد لها "يكسر الدنيا" وعرض عليها إيصالها للبيت "لنشرب شي".

وقال لها بطريقة مباشرة "إذا لم تكوني مشغولة فيمكن أن أوصلك إلى المنزل". قالت له: "لا. لا أستطيع".

فقال لها: "كما تشائين".

ومن وقتها تغيرت معاملته لها. "كنت خائفة من إخبار أحد في المكتب. قلت لنفسي لن يفهمني أحد. وبالنهاية هو مديري وأنا أعلم أنه شخص نافذ".

قلل المدير من مرات ظهورها على الشاشة، وصار "هجوميا" في التعامل معها ويكثر من انتقادها، وتقول إنها بدأت تشعر أنه كان يريد توريطها في مواضيع سياسية معينة - أو أنها بدأت تبالغ في التفكير حتى غدت تتوهم ذلك لشدة توترها.

فصارت تتصل وتعتذر عن الذهاب إلى المكتب بحجة أنها مريضة، حتى تركت العمل فور أن وجدت فرصة أخرى.

"تغير شيء ما بداخلي. أصبح يرافقني شعور بعدم الأمان. كنت ساذجة. لكني كنت متحمسة للعمل وشغوفة بالصحافة. اكتشفت أن بعض الرجال صيادون. وصرت أعرف أيضا الإشارات التي تدل عليهم وهم غالبا أكبر في العمر أو في مواقع قوة".

ما هي هذا الإشارات؟ تجيب سما أن هذه الإشارات التي توصّلت لها تظهر على شكل تعليق على مظهر الصحفية أو ثيابها، بطريقة تختلف عن التعليقات المهنية التي تتعلق بالظهور أمام الكاميرا، "بعض الرجال لديهم تعليقات فيها تلمحيات جنسية" كما تقول.

وتضيف على تلك الإشارات "أن يناديك إلى مكتبه لوحدك. أو يطلب مقابلتك في مكان خاص. وأن يحاول الاتصال بك كثيرا. يجب ألا تترك الشابة المجال ليقول لها الرجل أي شيء".

وتتذكر سما أنه كان معها في المؤسسة الصحفية ذاتها مدير آخر متقدم في العمر وكان ينصحها بصدق ويحذرها من بعض الرجال في المكتب.

وتقول إن سنوات مرّت حتى فهمت معنى هذه الطريقة "الأبوية" التي استخدمها مديرها معها. وتوضّح ذلك: "عندما كان يقول لي مديري السابق 'أنا أكبر منك. أنت مثل ابنتي ' فهذه الجمل تعني العكس. تعني أنه طامع فيك ولا يريد أن تخاف الصحفية منه. يحاول مثلا أن يلمس الصحفية أو أن يبوسها على رأسها أو يضع يده على كتفها. فإذا شعر بنظرة خوف يسارع بالقول إنت مثل ابنتي".

بعد هذه السنوات، كيف تتعاملين مع من يحاول التحرش بك؟ "تعلمت أن أضع حدودا وأن أقول أنا لست مرتاحة وأن أشتكتي لو كانت الشكوى مفيدة. ولو معي مصاري سأوّكل محامي وأحصل على حقي. أفرض طريقة تعامل محترمة فلا أحد لديه الحق أن يتكلم أو يلمح بطريقة مقززة".

وتتابع: "العمل في الإعلام مثل أي عمل ثاني في عالمنا. هناك شابات يتحن المجال للرجال، لكن بالمقابل توجد نسبة كبيرة من الشابات كل ما يردنه هو إثبات أنفسهن وأنهن قادرات في هذا المجال. ما يحدث هو استغلال سلطة للتقرب من زميلة ليست لها القوة نفسها. هي موظفة برتبة أقل غالبا، أما الرجل فيكون في موقع القوة. في فرق بين ما إذا أبدت عدم إعجابها بشاب عادي، وبين ما إذا كان هذا الشخص هو مديرها وفي موقع قوة. اللوم يجب أن يكون على من يتحكم بالموظف وليس على الموظف".

 

تشعر سما الآن أنها أقوى مما كانت عليه عند بدايتها كصحفية، ويبدو من صوتها أنها أكثر ثقة بنفسها. "نحن كنساء نكافح في محيط الرجال. المرأة تعمل أكثر لتثبت نفسها. بعد تلك المواقف صرتُ أقوى وأعرف التعامل مع الناس في كثير من المواقف".

أسألها كيف كانت تحب أن تتصرف؟ تقول: "أتمنى لو واجهته بما فعل ولو تركتُ المكان بطريقة أقوى. كثير منّا مضطرون للبقاء للحصول على المرتب. لكنني لم أحتمل أن أشعر أنني ممسوكة من يدي.. وجدتُ مخرجا فخرجت".

عالية: "لم أعد للعمل الميداني أبدا"

"لم أفعل شيئا وقتها، لم أصرخ. لم أسترد حقي ولم أعنفه. انتفض جسمي فقط و مشيت بعيدا من هول المفاجأة متظاهرة بأنى أبحث عن زميلنا الثالث". هكذا وصفت عالية (اسم مستعار) رد فعلها بعد حادث تحرش حدث لها على يد زميلها في العمل.

بعد هذه الحادثة غيرت عالية مسارها المهني، وانتقلت من القسم الذي لطالما أحبت العمل فيه إلى قسم آخر لا يتطلب الخروج من المكتب ولا الاحتكاك بكثير من الزملاء.

تقول عالية، وهي منتجة أخبار في إحدى القنوات الفضائية الدولية في مصر، إنها وقت تلك الحادثة كانت مكلفة بإعداد تقرير تليفزيوني عن ارتفاع أسعار السلع الغذائية في مصر، مما تطلب الذهاب لأحد الأسواق الشعبية للتصوير وتسجيل لقاءات.

وفي مثل هذه الحالات يكون الفريق مكونا من المنتج والمصور وفني الصوت وسائق السيارة.

و في الأماكن المزدحمة دائما ما يطلب من فريق العمل أن يتحرك كمجموعة، ولكن أحيانا يسبق أحد أعضاء الفريق الآخرين لإيجاد أفضل مكان للتصوير. في ذلك اليوم، تحرك السائق وفني الصوت، وبقيت عالية مع المصور الذي تعرفه جيدا إذ عملت معه ثلاث سنوات.

وبحسب عالية: "تفاجأت به وهو يضع يده على صدري قائلا لنذهب بهذا الاتجاه وكأنه كان يقصد التربيت على كتفي وأخطأ، حيث كان يضع الكاميرا على كتفه وينظر من خلالها".

وتضيف "انتفضت وتحركت بسرعة لأسبقه بحثا عن الزملاء الآخرين ولم أنطق بكلمة. كان رأسي مزدحما بالأسئلة: هل كان هذا مقصودا؟ هل فعلا لم يكن يرى جيدا؟ لا، مستحيل. فنحن لم نبدأ التصوير بعد ولم يكن هناك داع لرفع الكاميرا. هل خطط لهذا وتوقع أني سأصمت؟ لماذا لم أرد و أدافع عن نفسي؟ هل لو قلت ما حدث سيصدقني أحد؟ لم يكن معنا أحد ولم يره أحد غيري. هل لو صرخت في سوق مزدحم سيهب أحد لنجدتي من أشخاص أتيت وسأعود معهم في السيارة نفسها؟ وكيف أضمن أن لا يكون صراخي دعوة لمزيد من الانتهاك من آخرين؟".

قررت عالية أن تكمل التصوير مع المحافظة على مسافة أكبر مما هو معتاد بينها وبين المصور لتنجز كل العمل المطلوب في أقل من الوقت المعتاد ولتعود مسرعة إلى مقر القناة. "لم أكن أسمع شيئا، ولا أعرف ماذا كنت أسجل ولكنني كنت أريد التأكيد لنفسي أن شيئا لم يحدث".

وتضيف أنها بمجرد الوصول للمقر دخلت فورا إلى المرحاض واستمرت في البكاء ما يقرب من نصف ساعة حتى سمعت إحدى الزميلات صوتها فسألتها عما حدث فلم تحك شيئا". وجدت نفسي أقول لها إني تعبت من العمل وأريد الانتقال لقسم آخر".

غابت عالية عن العمل ثلاثة أيام ثم عادت لتقدم طلبا رسميا بنقلها من التلفزيون إلى الإذاعة، وتقول "آثرت السلامة ، ففي الإذاعة لا حاجة للاحتكاك بأي أحد، أنجز تقريري كاملا بمفردي. تعللت لمديرتي بأنه حان الوقت لاكتساب مهارة جديدة وأنني لم أحب العمل التليفزيوني، فوافقت".

تخلت عالية عن سبب التحاقها بقسم الصحافة في الجامعة، وهو حب العمل الميداني، فهي كانت تحلم أن تكون مراسلة تليفزيونية وتقول "طيلة سنوات الجامعة، كنت أنتظر التخرج حتى أصبح مراسلة، أغطي الأحداث وأكون أول من يشاهدها، خصوصا أنه خلال فترة دراستي سمح للمراسلات المحجبات بالظهور على الشاشة للمرة الأولى في القنوات المصرية، الأمر الذي جعلني أقرب إلى تحقيق حلمي".

لم تعد عالية إلى العمل الميداني حتى الآن، أي بعد مرور ثمانية أعوام على الحادث. ولم ترتد لا فستانها الطويل ولا حجابها مرة ثانية. وتقول "وقتها كل ما دار في رأسي كان ماذا بدر مني فجعله يطمئن للقيام بذلك؟ لماذا أنا تحديدا؟ هل لو كانت إحدى زميلاتي فى الموقف نفسه كان سيفكر مرتين؟ هل كانت لتتصرف بطريقة أخرى؟ هل حدث لي هذا في السابق مع الشخص نفسه ولم أنتبه خصوصا أننا كفريق سافرنا خارج القاهرة للعمل مرتين قبل هذه المرة، الأمر الذي دفعه للتمادي هذه المرة؟".

 

وبحسب عالية لم تكن هذه المرة الأولى التى تتعرض فيها للتحرش كما أنها لم تكن المرة الأخيرة، لكنها كانت "الأكثر قسوة" فهى حذرة للغاية "على طول بأمّن نفسي، بلبس طويل ولا أضع مكياج ولا أخرج متأخرة، وإذا اضطررت لركوب المواصلات العامة لا أستند بالكامل على ظهر الكرسي مهما كنت متعبة خوفا من يد عابثة، وإذا انتظرت أحد أقاربي في الشارع وهو أمر نادر الحدوث، اختار مكانا آمنا للانتظار وأؤّمن ظهري بأحد المحلات المغلقة، ولا أعمل أيام الأعياد حيث الزحام والتحرش".

و بحسب دراسة أجرتها حنان الجندي، أستاذة الإعلام بجامعة الأهرام الكندية عام 2015 فإن 85 بالمئة من المصريات العاملات في مجال الإعلام عُرضة لعنف لفظي و64 بالمئة عُرضة لعنف جسدي.

وجاء ذلك في دراسة عنوانها "النوع الاجتماعي والإعلام في مصر"، واستندت الدراسة على استبيان وُزع على الصحفيين من الجنسين في مختلف وسائل الإعلام.

تتذكر عالية أنها في تلك المرة كانت تشعر نسبيا بالأمان، فهو "شخص تعرفه، وتعمل معه، ويؤم الصلاة في مسجد تابع لمكان العمل يوميا، ومتزوج ولديه أبناء، وعلى الأقل سيخشي من تشويه سمعته في مكان العمل وبالتالي لن يقدم علي شيء كهذا خصوصا أنها مؤسسة كبيرة، كما أنه غير معروف عنه في مكان العمل أنه متحرش".

كل هذا جعل وقع المفاجأة عليها مضاعفا وصّعب من اتخاذ أي قرار بالتحدث "فمن السهل التشكيك في روايتي إذ لم يره أحد وليس لدي أي دليل ضده".

ولم تعرف عالية أو أي من زميلاتها عن آليات الإبلاغ عن حوادث التحرش داخل معظم المؤسسات الإعلامية التي عملن بها، وتضيف: "إذا كانت هناك أليات أساسا للإبلاغ عن مثل هذه الحوادث، لم يتم تعريفنا بها، بالإضافة إلى ذلك لا أعرف ما إذا كان وقوع الحادثة خارج مكان العمل يجعل التحقيق فيها ممكنا؟ ولا أعرف ما يمكن أن يسفر عنه التحقيق بعد إبلاغي عن حادث تحرش وهل سأتحول من ضحية إلى كاذبة أو مدعية أومجرد شخص يخيل إليه، أم سأحمل وصف - الشخص المثير للمشكلات - الذي يمكن أن يلاحقني ويعوق حركتي إلى الأقسام الأخرى وأحيانا إلى مؤسسات أخرى، وكل هذا الثمن سأسدده دون حتى التأكد من استرداد حقي".

وتقول عالية "كنت أظن أنني قوية، وإذا ما تعرضت لموقف مشابه كنت أحسب أنني لن أترك المتحرش دون أخذه إلى قسم الشرطة والإصرار على القصاص منه لي وللأخريات، أو على الأقل سأبلغ المؤسسة وأطلب تحقيقا في الحادثة، أو سأصفعه على وجهه، أو حتى أصرخ أو أواجهه على الأقل، لم يخطر في بالي أبدا أني سأسكت".

المصدر : بي بي سي