الرئيسية » تقارير نسوية » نساء في العالم العربي »  

"البلوح".. عندما يصبح الوزن الزائد مقياسا لجمال المرأة
15 تشرين الأول 2020

 

الرباط-نساء FM-ترتبط مواصفات الجمال لدى المرأة بعدد من المعايير، من أبرزها امتلاك جسم رشيق، وهو ما يدفع العديد من النساء عبر العالم للسعي وراء الحصول على جسم نحيف، لكن هذه القاعدة لا تنطبق على النساء المنحدرات من صحراء المغرب، حيث لا يعرن هذا المعيار اهتماما، لأن جمالهن يكمن في "الوزن الزائد" والجسم الممتلئ.

ويشكل هذا النوع من الجسم غاية غالبية النساء الصحراويات، ويعتبر المعيار الرئيسي لإبراز جمالهن، ومن أجل ذلك تسلك الصحراويات طرقا عديدة منها القديمة والحديثة بغية امتلاك الجسم المثالي في الصحراء.

ويؤكد الباحثون في العادات والتقاليد الحسانية، أن وزن المرأة في المناطق الصحراوية في المغرب، إلى جانب جمالها يعتبر دليل ثراء ويرمز لحياة الرفاهية والرخاء التي تعيشها في بيت أهلها، وهو ما يزيد من حظوظها أكثر من ذوات القوام النحيف في العثور على الزوج الأنسب.

ومن أشهر العادات المتوارثة بين النساء الصحراويات عبر أجيال من أجل الحصول على القوام المناسب في نظرهن، وتوظف لزيادة وزن الفتاة خاصة قبل أسابيع عن حفل الزفاف هو عميلة "البلوح" باللهجة الحسانية ( العامية الصحراوية).

تجمع الصحراويات على أن النظام الغذائي الطبيعي وعلى الطريقة التقليدية المعروفة بـ"البلوح" باعتبارهما الأنجع والأنسب بالنسبة للفتاة الراغبة في زيادة وزنها، وهو تقليد توارثته أجيال.

ويتم هذا النظام الغذائي عبر ثلاث مراحل، تشرف عليه سيدة يشهد لها الجميع بباعها الطويل وخبرتها في "البلوح" و تسمى بالعامية الحسانية بـ"المبلحة".

تبدأ العملية في مرحلتها الأولى بتقديم "المبلحة" كميات وفيرة من الألبان الطرية للفتاة النحيفة أو المقبلة على الزواج، مصدرها غالبا الإبل أو الغنم أو البقر، حيث يتوجب على الفتاة الاستمرار بدون توقف في شرب الكمية المقدمة إليها من الحليب في إناء خشبي محلي الصنع.

وبعد مرور ساعات، يطلب من الفتاة في المرحلة الثانية من العملية، بتناول كمية كبيرة من "كسكس الغبة" أو "كسس خماسي" كما يطلق عليه أهل المنطقة، وهو مكون من خليط لخمسة أنواع من الدقيق المغذي من بينها الشعير ودقيق القمح الكامل ودقيق الذرة.

وفي خطوة أخيرة من "البلوح"، يتوجب على الفتاة شرب مرق لحم الإبل، ثم بعدها أكل ما قدم إليها من لحم، وهو ما تسميه نساء الصحراء "أنغالة"، وفي ختام هذه العملية يكون وزن الفتاة قد زاد بشكل ملحوظ، وحصلت معه على جسم مكتنز.

وتحكي الزهرة السيفر، الخبيرة في عملية "البلوح" من مدينة العيون جنوبي المغرب، أن "هذه العملية كانت تتم قديما بشكل قسري وتستمر لأربع أو خمس ساعات يوميا، وتستخدم فيها أساليب عنيفة أحيانا، كربط أصابع الأرجل بأداة خشبية من أجل الضغط عليها وإلحاق ألم بالفتاة كلما رفضت شرب أو تناول ما يقدم لها من شراب أو أكل بغرض التسمين.

وتضيف الزهرة "خلال فترة البلوح يمنع على الفتاة الحركة أو بذل أي مجهود بدني من شأنه استنزاف طاقتها، وهي فترة لا تستسيغها الفتاة خلال الخمسة عشر يوما الأولى إلا أنها غالبا ما تتعود عليها فيما بعد".

وتشدد زهراء التي ورثت الخبرة في هذا المجال عن والدتها، على أن "هذه طريقة رغم صعوبتها، تعد آمنة على الصحة، وتعتمد مواد طبيعية كحليب ولحم الإبل مع الأكل المفيد والمغذي، ونتيجتها مضمونة ولا آثار جانبية لها عكس بعض الطرق المعتمدة حديثا".

إلى جانب هذه الطريقة التقليدية الراسخة في المجتمع الصحراوي لزيادة وزن النساء، والتي قل الإقبال عليها من طرف الجيل الجديد وتصفها كثيرات بالعسيرة، ظهرت طرق حديثة وأساليب أخرى للحصول على القوام المطلوب.

من بين هذه الطرق أو الوصفات التي تعد أقل صعوبة من الطريقة التقليدية، وصفة "العجنة"، والتي تتكون من خليط متماسك من التمر والعسل والمكسرات، إضافة إلى مزيج من الأعشاب المتنوعة ودهن الإبل.

وتقوم الفتاة وعلى مدار اليوم بتناول كمية متفرقة من خليط "العجنة" قبل كل وجبة رئيسية، مما يفتح شهيتها على الأكل أكثر ويزيد من وزنها كيلوغرامات إضافية تمنحها القوام المثالي في الصحراء.

وتقول الزهرة الخبيرة في "التبلاح"، إن "العجنة تحتوي على مواد مفيدة ولا تساعد فقط على زيادة الوزن بل تمنح الطاقة والنشاط طيلة اليوم".

وتؤكد أن "العجنة الصحراوية لها فوائد صحية على الجسم، غير أن هناك من يضيف إليها عقاقير طبية تساعد على الزيادة في الوزن، إلا أنها تشكل في ذات الوقت خطورة على الصحة ومصدرا لأمراض كثيرة في مقدمتها الضغط الدموي وهشاشة العظام".

 نتائج مؤقتة بمخاطر مستمرة

 وإن كانت التقاليد والعادات بالصحراء المغربية، تفرض على النساء زيادة الوزن طواعية أو قسرا، فإن أخريات خاصة من الجيل الجديد يرفضن هذه العادات، ويعتبرن أن الانفتاح والتطور الذي تشهده المنطقة، لا يستدعي بالضرورة المحافظة على مثل هذه العادة، نظرا لمخاطرها على صحة الانسان.

و"لا يتوجب ربط قيمة ووزن المرأة داخل المجتمع، بوزن أو شكل جسمها"، بحسب الشابة منة الأنصاري ( 29 سنة) من مدينة كلميم (جنوب المغرب)، التي عبرت عن رفضها للصورة التي يربطها البعض داخل مجتمعها الصحراوي بالفتاة النحيفة وما تتعرض له من سخرية وسط محيطها القريب والبعيد"

تضيف منة"هذا التقليد داخل المجتمع قد يدفع بعض الفتيات إلى سلك الطريق الخطأ، عبر استهلاك عقاقير خطيرة تشكل تهديدا على صحتهن، كما لا أحبذ الطريقة القديمة كذلك وإن كانت أفضل نوعا ما لأنها تعمتد على مواد طبيعية، والطريقتين غالبا ما تكون نتائجهما غير دائمة"

وزادت المتحدثة "أن ضد العملية لأن أساسها قائم على إرضاء الآخرين على حساب صحة الفتاة، التي تكون في الغالب غير ملمة بالمخاطر والأمراض التي قد تلحقها نتيجة البدانة".

من جهتها تقول الفاعلة الجمعوية الصحراوية عالية امغربلها من مدينة العيون،  "سواء تعلق الأمر بالوصفات التقليدية الطبيعية أو بالوصفات المبتكرة حديثا بأعشاب وأدوية صيدلانية، فإن المخاطر التي تسببها والتي لا تظهر إلا مع تقدم السن، أصبحت معروفة لدى أغلب الصحراويين و الصحراويات".

 تقول عالية أن "أغلب المؤسسات الإستشفائية ترفض إجراء عمليات جراحية للنساء ممن لجئن لـ"لتبلاح" في صغرهن بسبب السمنة الزائدة والتي يمكن أن تشكل خطرا عليهن أثناء العملية مما يحول حياتهن إلى كابوس"

و تضيف "تعرضت عدد من الفتياة المقبلات على الزواج لوعكة صحية وتسبب في موت بعضهن، جراء استهلاك جرعات زائدة من بعض المواد الخطيرة التي تستخدم في وصفات تسمين"

أضرار صحية

وفي السياق تقول الطبيبة الأخصائية في التغذية والحمية العلاجية فدوى بلوك،  أن فقدان الشهية والنحافة يرتبطان غالبا بعوامل وراثية أو مشاكل صحية أو نفسية، وحتى إن تناولت الفتاة مواد تحتوي عناصر خطيرة مضرة بالجسم، لفتح الشهية وزيادة الوزن، فسرعان ما يزول مفعولها مع التوقف عن استهلاكها.

تؤكد الطبيبة في حديثها مع موقع "سكاي نيوزعربية" على أن "الأدوية أو حتى الأعشاب التي تستعمل لزيادة الوزن هي جد خطيرة على الصحة وخاصة على الكلي، وهو العضو المختص بتصفية المواد التي يتم تناولها مع السوائل، حيث يصبح مطالبا بتصفية مواد معقدة، مما يكون بداخله ترسبات قد تسبب في فشل أو في سرطان في الكلي"

وزيادة الوزن بالطرق القديمة مثل "البلوح" أو الحديثة كـ"العجنة" يؤثر على التكوين العادي للجسم ويحدث به تشوهات، بحسب الأخصائية في التغذية.

وتقول الطبيبة إن "الجسم يزود بنوعية دهون غير صحية، قد تسبب مشاكل في القلب والشرايين، لأن المكونات الطبيعية التي يحتاجها الجسم للزيادة بشكل طبيعي، هي مواد غذائية غنية بالدهنيات والفيتامنات والأملاح المعدنية والماء، وهو ما لا توفره تلك الطرق".

ولفتت الطبيبة إلى مخاطر السمنة على صحة الانسان خاصة المرأة، قائلة: "كل جسم يتميز بمعايير محددة تسمح له بوزن معين، وإن تم تجاوزه، فإن أعضاء كثيرة في الجسم لا تتحمل ذلك، مما يسبب مشاكل صحية عدة".

ومن أبرز المخاطر التي تشكلها السمنة على صحة النساء هي"الألم في المفاصل، خاصة الركبتين، لأن العضلات في تلك المنطقة لا تتحمل الوزن الزائد، إضافة إلى ما تشكله البدانة من مشاكل في النوم وفي التنفس ومرض السكري، وهي مشاكل صحية أكثر خطورة من هاجس النحافة الذي كانت تعاني منه الفتاة".

المصدر : سكاي نيوز عربية