الرئيسية » تقارير نسوية » نساء في العالم العربي »  

قانون العنف الأسري في العراق بين الضرورات وعراقيل أحزاب السلطة
13 أيلول 2020

 

بغداد-نساء FM- في رفض لأشكال انتهاك وتقييد حرية المجتمع والأفراد في العراق، تصاعدت دعوات قوى محلية ودولية، لإقرار قانون العنف الأسري في مجلس النواب، لمواجهة ارتفاع غير مسبوق لجرائم العنف الأسري في الآونة الأخيرة، وسط اصرار أحزاب الإسلام السياسي الحاكم، على رفض تمرير مشروع القانون الموجود في أدراج البرلمان منذ سنوات رغم الحاجة الماسة إليه.

وعكست الأخبار المتلاحقة مؤخرا عن انتشار جرائم العنف داخل العائلات، التي تتناولها وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، تدهورا خطيرا في أوضاع العائلة العراقية، يبرز بصورة واضحة مشاكل اجتماعية وحوادث عنف وجرائم مروعة يرتكبها أفراد ضد أشخاص من عائلاتهم يفترض أنهم الأقرب لهم في المجتمع.

وازاء تصاعد العنف الأسري بشكل يهدد كيان العائلة التي هي أساس المجتمع، فقد تجددت دعوات سياسية وشعبية ونداءات من منظمات المجتمع المدني ومنظمات دولية، للبرلمان والحكومة من أجل التحرك والقيام بواجباتهم لحماية الأسرة والمجتمع.

فقد دعت النائب يسرى رجب، إلى عقد جلسة استثنائية لمجلس النواب لمناقشة مشروع قانون الحماية من العنف الأسري وإقراره، مؤكدة زيادة ظاهرة العنف وارتكاب الجرائم داخل نطاق الأسرة نتيجة الحجر الصحي. وقالت رجب في بيان، إن “مجلس الوزراء صوت على قانون الحماية من العنف الأسري، وسيحيله إلى مجلس النواب لغرض التصويت عليه وفقاً للسياقات الدستورية” مبينة أن “مطالبات عديدة وجهناها في وقت سابق إلى الجهات ذات العلاقة لتقديم مشروع القانون إلى مجلس النواب ليوفر الحماية لجميع أفراد الأسرة وليس المرأة فقط، ولكي يعيش أفراد الأسر العراقية في بيئة صحية”.

وشددت رجب على أن “الدستور وفق المادة (29) منه، أوجب على الدولة أن توفر الحماية للأسرة بوصفها أساس المجتمع لاسيما الأمومة والطفولة والشيخوخة، كما منع الدستور كل أشكال العنف والتعسف في الأسرة والمدرسة والمجتمع” لافتة إلى، أن “السلطتين التشريعية والتنفيذية وانطلاقاً من هذا النص الدستوري يتوجب عليهما التعاون في سن القوانين المناسبة التي توفر الحماية للأسرة والمجتمع”.

ثغرات كبيرة

الناشطة الحقوقية هناء إدور، وهي من أشد الداعين لإقرار القانون، أكدت في لقاء تلفزيوني إن “قانون العقوبات المعمول به حاليا، فيه ثغرات كبيرة لا تواكب التطورات وتصاعد حالات العنف الأسري” مشيرة إلى أن قانون مكافحة العنف الأسري ضروري في ظل تصاعد العنف في البلاد “وأنه سيضع حداً لحالات التعنيف والتفكيك”. وبينت أن المعترضين على قانون العنف الأسري في البرلمان هم مجموعة محدودة، متهمة الأحزاب بأنها وراء تدمير الأسرة العراقية، ومشددة أنه “لن يتحقق الاستقرار والأمان في المجتمع ما لم يكن هناك قانون للعنف الأسري”.

أما النائبة عن كتلة الاتحاد الوطني الكردستاني ريزان الشيخ دلير، فترى أن مشروع قانون العنف الأسري”لا يتضمن” أي مواد “تقلل من هيبة” العائلة العراقية وأفرادها، متهمة “البعض” بأنهم “يخافون” من كل شيء يحمي المرأة والطفل. وقالت شيخ دلير، في حديث لـ “السومرية نيوز” إن قانون العنف الأسري، من القوانين الضرورية والمهمة والتي سعينا بكل ما لدينا من جهد لتشريعها” لافتة إلى “أننا بحاجة إلى أسرة هادئة داخل المجتمع دون عنف، وحماية أفرادها من مخاطر العنف بشتى أنواعه سواء أكان من الرجل على أفراد عائلته أم من قبل الأم على أبنائها”.

وفي هذا السياق، استنكرت لجنة المرأة والأسرة والطفولة النيابية، جريمة قتل أربعة أطفال حرقاً في محافظة كربلاء، داعية الحكومة إلى الإسراع بإرسال قانوني الحماية من العنف الأسري وحماية الطفولة.

وذكرت اللجنة في بيان، انها تستنكر “الجريمة البشعة والمروعة والقتل المتعمد بحق أسرة تتكون من أربعة أطفال احرقوا حتى الموت في محافظة كربلاء من قبل والدهم بحجة المشاكل الزوجية".

ودعت اللجنة، السلطة الحكومية بمختلف مؤسساتها الأمنية والمدنية، إلى “ضمان توفير الحماية للأطفال وان تطبق بحق مرتكب الجريمة أقصى العقوبات واتخاذ أشد الإجراءات كي تكون رادعا قويا لمن تسول له نفسه ارتكاب مثل هذه الجرائم والتي كثرت في الفترة الأخيرة".

ولا يكاد يمر يوم من دون ان تنشر وسائل الإعلام والقنوات المحلية وشبكات التواصل الاجتماعي، المزيد من القصص والأخبار عن جرائم وانتهاكات يرتكبها رجال أو نساء ضد بعضهم أو ضد أبنائهم، فهناك رجال أحرقوا زوجاتهم، وزوجة ألقت طفليها الرضيعين في خزان ماء، وهناك نساء قتلن أزواجهن، أو أبناء قتلوا والديهم، وغيرها الكثير من القصص المؤلمة الذي تعكس تدهور أوضاع الأسرة العراقية في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها البلد منذ 2003.

رفض الأحزاب الشيعية للقانون

ورغم استفحال حالات العنف الأسري، ومع مرور سنوات على وجود مشروع “قانون العنف العائلي” في أدراج مجلس النواب دون إقراره، وحتى بعد إجراء سلسلة تعديلات على بنوده، فإن القانون لم ير النور حتى الآن بسبب معارضة أحزاب الإسلام السياسي المتحكمة بالعملية السياسية في العراق منذ 2003 التي تصر على عدم تمرير القانون في البرلمان، بحجة ان بعض بنوده تتعارض مع الشريعة الإسلامية والأعراف الاجتماعية.

زعيم ميليشيا عصائب أهل الحق، قيس الخزعلي، قال “إن قانون العنف الأسري ليس من أولويات الشعب العراقي واصافاً إياه بـ”المشروع الذي سيفكك الأسرة العراقية".

وأضاف الخزعلي في كلمة تلفزيزنية بمناسبة شهر محرم(آب/اغسطس الماضي) إن “اسم قانون العنف الأسري جميل، لكن فيه محاولة لدس السم بالعسل من خلال ذكر عبارات فضفاضة ممكن أن تستخدم لضرب وتفكيك الأسرة العراقية والمجتمع العراقي” زاعما أن “بعض المواد والفقرات في قانون العنف الأسري تعتبر جريمة”. وأوضح أن “المتضررين حسب قانون العنف الأسري يلجأون إلى أماكن ليست بالضرورة أن تكون تحت إشراف الدولة، وانما ترعاها مؤسسات المجتمع المدني والتي يعمل الجزء الأكبر فيها تحت رعاية المؤسسات الأمريكية والسفارة الأمريكية” حسب ادعاءه، مشيرا إلى أن “الحكومة تطرح مواضيع لا تعتبر أولوية بالنسبة للشعب وتترك مواضيع أخرى تعد اكثر أهمية للعراقيين."

أما النائب والقيادي في الكتلة الشيعية عمار طعمة، فقد أعلن أن مشروع قانون العنف الأسري يعارض ثوابت الإسلام والدستور العراقي، مدعيا ان “مشروع قانون العنف الأسري يتضمن مضامين خطيرة تنذر بعواقب تخريبية تستهدف استقرار العائلة والمجتمع العراقي."

وأورد في بيانه بعض الاعتراضات على القانون المقترح، منها أن القانون يسلب حق تربية وتأديب الوالدين لأولادهم ويعتبره جريمة عنف أسري، ويجعل كل خلاف عائلي قابلا لتدخل القضاء، منتقدا فكرة إيجاد مراكز إيواء لضحايا العنف الأسري، لأنهم سيكونون في أيدي غرباء لا يؤمن عليهم من مخاطر الإفساد والتوريط بمختلف سلوك الشذوذ والانحراف الأخلاقي، حسب رأيه.

وأضاف “ان منع الوالدين أولادهم من اعتقاد وتبني أفكار مدمرة للمجتمع كتلك التي تروج لها جماعات التطرف والتكفير وحمايتهم من الاختلاط في ميادين انتشار ونشاط تلك الأفكار يعتبر وفق القانون جريمة لأنه يسبب ضررا معنويا للأولاد” كما رفض فقرة في القانون تتيح “للزوجة في حال سوء تفاهم وخلاف عائلي مع زوجها أن تذهب للشكوى والاستقرار في مركز الإيواء تحت رحمة الغرباء وابتزازهم، وعلى الزوج أن يبعث لها نفقتها وهي تعيش في مركز الإيواء بعيداً عن أولادها وأطفالها” قائلا “إنهم يريدون تمزيق الأسرة وتفكيك العائلة بهذه الأساليب والوسائل".

وكذلك اعترض طعمة على فقرات أخرى من القانون مثل تشكيل لجنة عليا من بعض الوزارات تختص بالخلافات العائلية، وتشكيل مديرية حماية الأسرة في وزارة الداخلية، مستنكرا تدخل منظمات المجتمع المدني في الخلافات العائلية، ومدعيا أن “هدف ذلك تمكين المنظمات الليبرالية من ممارسة دور الغزو الثقافي والتغريب الفكري والقيمي لأبناء المجتمع العراقي وفصله عن قيمه وثقافته الوطنية والدينية."

الأمم المتحدة تدين

وازاء تزايد حجم الجرائم العائلية في العراق بشكل خطير، فقد تحركت منظمات الأمم المتحدة ضمن مسؤوليتها في رعاية حقوق الإنسان وحرياته، حيث ناشدت بعثة الأمم المتحدة في العراق “يونامي” مجلس النواب العراقي، الإسراع في إقرار قانون مناهضة العنف الأسري، مشيرة إلى “تقارير مثيرة للقلق تفيد بارتفاع حالات العنف القائم في المجتمع بشكل عام وداخل الأسرة الواحدة بشكل خاص، خصوصاً مع تزايد التوتر بين أفراد الأسرة نتيجة للحجر المنزلي بسبب فيروس كورونا” حسب بيانها. وطالبت “يونامي” بضمان استمرار السلطة القضائية في ملاحقة المعتدين، وإبقاء أبواب الملاذات الآمنة مفتوحة للنساء الهاربات من العنف ومعاقبة مرتكبي أي نوع من أنواع العنف الأسري.

وأضاف البيان الصادر عن صندوق الأمم المتحدة للسكان ومفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” وهيئة الأمم المتحدة للمرأة في العراق، انهم يعبرون عن قلقهم من ارتفاع وتيرة العنف الأسري في ظل جائحة كوفيد مع نشر تقارير إعلامية عن العديد من حالات العنف مؤخرا.

ودعت بعثة الأمم المتحدة، السلطات إلى “ضمان استمرار السلطة القضائية في ملاحقة المعتدين، وزيادة الاستثمار في خدمات الخط الساخن والخدمات عبر الإنترنت الداعمة للناجين من العنف القائم على النوع الاجتماعي، ودعم دور منظمات المجتمع المدني، وإبقاء أبواب الملاذات الآمنة مفتوحة للنساء الهاربات من العنف، ومعاقبة مرتكبي أي نوع من أنواع العنف الأسري والعنف القائم على النوع الاجتماعي، داعية السلطات في العراق لجعل حماية النساء والأطفال إحدى أبرز أولويات الخطة الوطنية للاستجابة لجائحة كوفيد".

ويعزو المراقبون أسباب تصاعد العنف الأسري في العراق، في السنوات الأخيرة، إلى عوامل عديدة أبرزها تأثير الحروب والنزاعات التي خاضها العراق منذ أربعين عاما، والانفلات العام عقب الاحتلال الأمريكي، وانتشار الميليشيات والعصابات المنظمة والسلاح المنفلت، وتفشي المخدرات، إضافة إلى تراكم الضغوط والأزمات الاقتصادية والاجتماعية المزمنة، وما تتركه من آثار خطيرة على المجتمع والأفراد، ما جعل بعض قوانين العقوبات العراقية السائدة، عاجزة عن معالجة المشاكل والأزمات الاجتماعية المتزايدة، وسط انشغال الحكومات والقوى السياسية بالمشاكل الأمنية والسياسية والاقتصادية والصحية.

وفي الجانب الآخر، يتفق الجميع على أن المشكلة في العراق ليست في إصدار قوانين لحفظ حريات المجتمع وأفراده وتنظيم أوضاع الأسرة وعلاقات أفرادها فيما بينهم، وإنما المشكلة في محاولة قوى سياسية ودينية، فرض نمط من الأفكار والممارسات والعادات الدينية والاجتماعية، تقليدا للنموذج الإيراني، إضافة إلى استغلال بعض القوى السياسية رفض القانون لأغراض الكسب السياسي بين جمهورها.

وفي كل الأحوال، فإن “قانون العنف العائلي” في العراق، هو نموذج لهيمنة عقلية الاستبداد ورفض الرأي الآخر وفرض العقيدة الدينية على المجتمع لتقييد حريات الأفراد فيه. وأصبح ملموسا أن أحزاب الإسلام السياسي المتنفذة في العراق، تريد أن ترسم للمجتمع مسارات وعلاقات اجتماعية، تقيد حريات وخيارات الأفراد والمجتمع، عبر فرض وجهة نظرها حول نمط الحياة المطلوب تطبيقه ورفض أية محاولات للتخلص من هذه الهيمنة، سواء عبر “قانون العنف الأسري” أو غيره.