الرئيسية » تقارير نسوية » نساء فلسطينيات »  

فيحاء عبد الهادي.. رحلة البحث عن "بنات النكبة"
14 أيار 2020

 

رام الله-نساء FM-من يكتب حكايته يرث أرض الكلام ويملك المعنى تماما".. جملة مستعارة من الشاعر محمود درويش اختارتها الكاتبة الفلسطينية فيحاء عبد الهادي لتحكي شغفها الذي بدأ نهاية التسعينيات بتدوين روايات النساء الفلسطينيات منذ الثلاثينيات، ثم اللواتي عايشن النكبة عام 1948 وهُجّرن مع عائلاتهن إلى شتات لم ينته حتى اليوم.

"حين نسرد حكايات التهجير الفلسطيني عام 1948 يظل الحلم طازجا وعابرا للمؤامرات المستمرة وعصيا على النسيان".. هكذا كتبت أيضا في الرواية الأخيرة التي نقلتها عن اللاجئة الفلسطينية خبصة الشمالي (أم حسن) التي هُجِّرت في النكبة من قريتها العلمانية (قرب صفد) إلى بنت جبيل ثم صور وبعلبك إلى سعد نايل (في البقاع اللبناني)، حيث أقامت حتى رحيلها يوم 30 يناير/كانون الثاني 2020.

وفي العام 1998 بدأت فيحاء عملها الممنهج في توثيق روايات تجارب النساء الفلسطينيات منذ الثلاثينيات وخلال النكبة وحتى منتصف الستينيات من القرن الماضي، بعد أن استقدمتها الأمم المتحدة ضمن مشروع استجلاب خبراء إلى فلسطين، وكانت تقيم في منفاها بالقاهرة.

وتواصل فيحاء نشاطها مع مركز المرأة الفلسطينية للأبحاث والتوثيق التابع لليونسكو بمساندة فريق بحثي استطاع جمع 205 روايات شفوية معظمها لنساء كتبتها الكاتبة الفلسطينية ونشرت عام 2015 في مؤلف بعنوان "أدوار المرأة الفلسطينية منذ الثلاثينيات".

نساء من ثورة 36

وتمكنت فيحاء من الوصول إلى نساء ورجال شاركوا في ثورة 1936 أو كانوا شهودا عليها قبل رحيلهم، واستطاعت مع فريقها توثيق جزء مهم لم يتم تفصيله سابقا، وهو "دور النساء في هذه الثورة".

وتذكر فيحاء توثيق شهادات أعلام من الفلسطينيات، مثل سناجق برهم من قرية رامين قضاء طولكرم والتي وثقت عنها "الدور التمويني للنساء في ثورة 1936"، حيث "أدركت المرأة الريفية أهمية السلاح، في الدفاع عن الأرض وربطت مبكرا بينه وبين الحياة الكريمة، مما دعاها لأن تحميه بجسدها وجسد أولادها وساهمت في نقله وإخفائه وتنظيفه وتزييته وتعبئته والتدرب على حمله واستخدامه أسوة بالرجال".

وهنا تروي فيحاء واحدة من أهم الروايات التي ساهمت في توثيقها بعد رحلة طويلة من البحث عن السيدة "ميمنة" ابنة الشهيد عز الدين القسام التي عثرت عليها في العاصمة الأردنية عمّان بعد شهور من البحث في طولكرم وفلسطين عموما عام 1998.

وتقول الكاتبة الفلسطينية إن ميمنة القسام -مثل الكثير من نساء تلك الحقبة- كانت ترفض الحديث لاعتقادها -حتى بعد عقود- أنها تفشي أسرارا أمنية مهمة، وكأنها ما زالت في مرحلة العمل السري.

ولدت ميمنة القسام عام 1911 وتوفيت بتاريخ 28 يونيو/حزيران 2004، وجرت مقابلتها لتوثيق روايتها حول "دور النساء في ثورة 1936" في عمّان عام 1998 من الباحثتين رقية العلمي وسناء وادي، وبإشراف فيحاء عبد الهادي.

ابنة عز الدين القسام

وجدت فيحاء اسم ميمنة القسام للمرة الأولى ضمن تشكيلة إحدى الجمعيات النسائية بعد النكبة في مدينة طولكرم، وتردد اسمها أيضا في كتاب آخر، حيث كُتب عن خطبتها التي ألقتها بجامع القسام في حيفا بعد استشهاد والدها عام 1935، وكان هذا حدثا مهما بالنسبة للنساء في ذلك العصر.

وفي مقابلتها، تحدثت ميمنة القسام عن تلقيها التدريب على السلاح من والدها، وهو ما اتفق مع توثيق سابق لرواية الفلسطينية خزنة الخطيب التي كانت تقيم في دمشق قبل رحيلها، وكانت أيضا قد تحدثت عن تدربها على استخدام السلاح مع أبنائها على يد الشيخ القسام، ونشرت رواية السيدتين في كتاب "أدوار المرأة الفلسطينية في الثلاثينيات".

روايات النساء

حياة فيحاء عبد الهادي ذاتها لم تختلف كثيرا عن النساء اللواتي دونت قصصهن، إذ ولدت عام 1951 في مدينة نابلس، واعتقلها الاحتلال الإسرائيلي في عمر الـ16، وتعرضت للتعذيب ثم أُبعدت عام 1969 مع والدتها المناضلة عصام عبد الهادي أول رئيسة لاتحاد المرأة الفلسطينية.

حصلت فيحاء على البكالوريوس في الفنون المسرحية والدراسات العليا في الأدب العربي، وعاشت في المنفى لمدة 27 عاما، وسمح لها بالعودة إلى فلسطين عام 1996 للمشاركة في جلسة للمجلس الوطني الفلسطيني، وهي عضوة فيه.

وفي عام 1998 أسندت إليها مهمة توثيق المشاركة السياسية للمرأة الفلسطينية منذ الثلاثينيات بالاعتماد على "التأريخ الشفوي" بجمع روايات النساء الرياديات أو الروايات عنهن، وكان هذا بداية دخولها هذا المنهج البحثي.

وأنهت فيحاء عبد الهادي كتابها الثاني "أدوار المرأة من منتصف الستينيات وحتى بداية الثمانينيات" عام 2012 ونشر أيضا عام 2015، وتمت ترجمته للغة الإنجليزية، وفيه نشرت أكثر من مئتي رواية لنساء ورجال قبل وبعد النكبة.

بعد انتهاء هذا العمل، توجهت عبد الهادي لجمع الروايات كمشروع شخصي لها، فأسست مركز الرواة للدراسات والأبحاث عام 2012، وأصدرت باسمه كتابي "ذاكرة حية"، و"مرآة الذاكرة"، وفي هذه المرحلة اعتمد البحث على الوصول إلى أي فلسطيني عايش النكبة ورواية التهجير لندرة وجودهم الآن بسبب وفاة أغلبيتهم.

"حلي النضال"

إلى جانب ذلك، استحدث "الرواة" مشروع "فضة زمان"، وهو صناعة حلي تحاكي التي كانت ترتديها الفلسطينيات قديما، فرغم أن معظم النساء اضطررن لبيع مقتنياتهن بسبب النكبة والتهجير فإن فيحاء وأعضاء فريقها البحثي وثقوا جزءا مهما مما تبقى من هذه الحلي.

وتناول التوثيق لباس أهالي البلدات والقرى المهجرة وعاداتهم وغناءهم وأوضاعهم الاقتصادية، إلى جانب رواية التهجير، وبهذه الحصيلة نظم "الرواة " معرض "قول يا طير" الفني المتنقل عامي 2017 و2018 وهدف إلى نقل رسالة المهجرين في النكبة إلى الأجيال الشابة في فلسطين والعالم.

وساهمت فيحاء عبد الهادي في توثيق 700 شهادة من المهجرين الفلسطينيين عام 1948 الذين يقيمون في لبنان فقط، وتركز هذا على توثيق نزوحهم الجماعي والقصص الشعبية عن حياتهم قبل النكبة.

عين الحلوات

كما وثقت في مشروع "عين الحلوات" قصصا لنساء من مخيم عين الحلوة وأدوارهن في تأسيس المخيم، وفي مشروع "سير حياة" نماذج ريادية لفلسطينيين لعبوا دورا مهما في مجتمعاتهم.

وفي توثيق تجربتها تحت عنوان "أقص حكايتي.. أعيد كتابة التاريخ" تقول فيحاء عبد الهادي "حين تعرفت إلى التاريخ الاجتماعي من منظور النساء لامسني وسحرني ما يزخر به من مخزون ثقافي واجتماعي وجدت الشعر والقصص والسير الشعبية والأمثال والموسيقى والرقص والغناء، وجدت الحكمة الشعبية".

وتضيف "حين يُكتب التاريخ من منظور ديمقراطي شعبي يوثق تجارب الناس العاديين ويشركهم في صياغة تاريخهم يبرز صوت الذين أقصوا عن الصدارة رغم أنهم هم الذين أحدثوا التغيير وصنعوا تاريخهم".

 

المصدر : الجزيرة