الرئيسية » تقارير نسوية » نساء فلسطينيات »  

مهنة يرفضها المجتمع.. الفلسطينية عفاف ربيع عقدان في علاج المدمنين
16 آذار 2020

 

رام الله-نساء FM-في إحدى المرات وصلتُ منزل أحد المدمنين، كان في حالة عصبية خارجة عن السيطرة، هاجم عائلته ودمر محتويات منزله، وهمّ بإشهار ساطور مهددا بقتلنا..". هذه قصة من مئات القصص التي واجهتها الفلسطينية عفاف ربيع منذ بدأت العمل في علاج مدمني المخدرات بمناطق القدس والضفة الغربية.

إنها المهنة التي رفضتها عائلتها في بداية مشوارها المهني، ولا يزال المجتمع ينظر إليها بريبة، لكنه المجال الذي أحبته وساعدت فيه مئات العائلات وأبنائها على التعافي، ومن بينهم طلبة جامعات وعمال ومراهقون وفتيات تعاطين المخدرات لظروف نفسية وعائلية.

"وصمة" تعاطي المخدرات

عفاف ربيع (50 عاما) من قرية بيت عنان قرب القدس، اختصاصية نفسية واجتماعية ومسؤولة التوعية والوقاية من المخدرات في "جمعية الصديق الطيب" بمدينة البيرة وسط الضفة الغربية، منذ عام 1995.

بدأت عملها في برنامج المتابعة الأسرية لعائلات مدمني المخدرات، وكانت تنظم جلسات إرشاد للمدمنين في مركز تابع للجمعية ببلدة العيزرية شمال القدس. وفي أوساط الفلسطينيين، يعتبر تعاطي المخدرات "وصمة" تتسبب بنبذ المتعاطي أو المدمن وعائلته اجتماعيا، كما تقول.

كانت عفاف من أوائل النساء العاملات في زيارة عائلات المدمنين وعلاجهم منزليا، وهي من اختصاصيات قلائل استطعن الاستمرار، لصعوبة العمل نفسيا وقلة تقبله اجتماعيا.

زيارات العلاج المنزلي

تتلقى عفاف وموظفو جمعيتها اتصالات يومية من عائلات شبان تورطوا في تعاطي المخدرات، وتُدعى لزيارتهم وإقناعهم بالعلاج قبل أن تقرر تحويل الحالة للعلاج النفسي الفردي أو الجماعي، أو نقلها إلى مركز خاص بالتعافي من الإدمان جسديا.

تُفضل العائلات -كما تقول عفاف- علاج أبنائها في المنزل تفاديا لنظرة المجتمع حول التوجه إلى مراكز علاج المدمنين. ورغم ذلك تسجل عائلات كثيرة أبناءها في برامج ولقاءات جمعية الصديق الطيب.

وتقول إن مواجهة الإدمان في مناطق القدس أسهل، لأن العائلات تتعامل معه كمشكلة عامة ولها علاقة بالاحتلال الإسرائيلي الذي يسهل الترويج للمخدرات أو تعاطيها، بينما المهمّة أصعب في مناطق الضفة التي تسجل معدلات انتشار متصاعدة في تجارة وتعاطي المخدرات.

دعم زوجات المدمنين

شاركت عفاف وصممت العديد من برامج التوعية من المخدرات، وأبرزها "التوعية بالدراما" عبر ورشات عمل فنية. وفي نهاية التسعينيات ساهمت في تأسيس "لجنة دعم زوجات المدمنين" في مناطق القدس ووسط الضفة الغربية، التي استمرت لنحو عشر سنوات.

وهدفت اللجنة إلى تقديم الدعم النفسي لهؤلاء النسوة عبر الاستماع والتفريغ أولا، وتدريبهن على طرق مساعدة الزوج في التوجه للعلاج، وإسنادهن في ظرف يتحملن فيه مسؤولية حماية العائلة وتأمين دخل لها، ثم منع انتقال الإدمان من الأب إلى الأبناء.

تقول عفاف إن الأنثى هي أكثر المتضررين من إدمان الرجل، لأن الزوجة أو الأم أو الأخت أو الابنة هي أكثر عنصر ضعيف ينبذه المجتمع لقرابتها بالمدمن أو المتعاطي، وربما تكون هي ذاتها عرضة لتعاطي المخدرات أيضا.

شغف المهنة

أنهت عفاف دراستها الثانوية خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى نهاية الثمانينيات، فرفض والدها التحاقها بالجامعة خوفا عليها، وانخرطت معه في استصلاح أرض للعائلة. لكنها قررت بعد سنوات اللحاق بحلمها وبدأت دراسة الخدمة الاجتماعية بإحدى الكليات الجامعية.

عندما بدأت العمل في إرشاد ومعالجة المدمنين لم تخبر عائلتها بتفاصيله، لكن أحدهم أبلغ والدها، "ابنتك تعمل مع المدمنين". تقول إن "مجتمعنا يحاكم البنت إذا حادثت شابا عاديا في الشارع، فما بالك في زيارة مدمنين وعلاجهم؟". وهذا العمل ولد تحفظا لدى والدتها وأشقائها على الدوام رغم اقتناع والدها بأهميته.

تلقت عفاف تدريبا في إرشاد المعاقين والمكفوفين لكنها اختارت مساندة وعلاج المدمنين. وتقول إن هذا الشغف جاء من استماعها لقصص ضحايا المخدرات والأسباب التي دفعتهم لذلك. لكنها تذكر أيضا قصة قديمة عايشتها صديقتها التي اكتشفت تعاطي زوجها المخدرات بعد زفافهما مباشرة، فاضطرت للطلاق في اليوم الأول لزواجها.

في إحدى الحالات التي أثرت بها، عملت عفاف على مساعدة شاب توجه للإدمان بعد صدمة وفاة خطيبته قبل أيام من زفافهما لاعتقاده أن المخدر سيخفف من ألمه.

تقول عفاف إن الذكور لا يرفضون العلاج عند اختصاصية أنثى، "بالعكس.. يشعرون براحة في تضخيم ذاتهم والحديث عن استهدافهم بالمخدرات لا استسلامهم لها". لكنها تعتقد أن النجاح يأتي من تقبل المتعاطي أو المدمن كإنسان والاستماع له دون الحكم عليه أو لومه.

مهارات عفاف

تبدأ مهمة عفاف عندما يقرر الشخص وقف تعاطي المخدرات بمرحلة تسميها "تعزيز وتقوية الذات"، ثم بناء علاقة الثقة مع المعالَج ومع عائلته كذلك، لكنها تقدم مساندة أيضا للعائلات التي يرفض أبناؤها العلاج أو الاعتراف بتعاطي المخدرات.

وتنصح عفاف الأهالي بعدم إجبار المتعاطي على العلاج قسرا بل إقناعه تدريجيا عبر صديق أو شخص مقرب منه وفي المنزل بداية.

وهذا مرتبط -كما تقول- بدرجة الإدمان وبنوعية المخدرات التي يتناولها، لأنه في مراحل متقدمة يشكل خطرا على نفسه وعلى الآخرين ويحتاج التدخل لحماية شرطية أو تحويله لمراكز العلاج الجسدي.

وحسب بيانات المعهد الفلسطيني للصحة العامة، فإن نحو 27 ألف فلسطيني يتعاطون المخدرات بشكل خطر في الضفة الغربية وضواحي القدس وقطاع غزة، لكن تقديرات العاملين بهذا المجال تشير إلى نحو مئة ألف متورط بتعاطي المخدرات بمستويات مختلفة.

وتقول عفاف إن ضواحي القدس والمناطق المحاذية للداخل الفلسطيني المحتل عام 1948 والمناطق ذات السيطرة الأمنية الإسرائيلية، هي الأكثر انتشارا للمخدرات.

وتستقبل عفاف زيارات من المتعافين وعائلاتهم وتعلق صور تدريباتهم وورشات الاستماع إليهم مع الحفاظ على خصوصيتهم، وهو ما يشعرها بالإنجاز الحقيقي. كما تنشط بورشات توعية طلبة المدارس والجامعات بمخاطر المخدرات.

المصدر : الجزيرة