الرئيسية » تقارير نسوية » نساء فلسطينيات »  

آية أبو ناب.. شابة مقدسية وهبت حياتها للمسجد الأقصى
11 شباط 2020

 

القدس-نساء FM- قد يتبادر سؤال إلى أذهان كثيرين ممن يشاهدون مقاطع فيديو لضرب وسحل ونزع الحجاب عن رؤوس المرابطات الفلسطينيات في المسجد الأقصى قبل اقتيادهن إلى مراكز التحقيق الإسرائيلية: ما الذي يجبرهن على تحمل كل ذلك؟

هذا السؤال يتبدد ويشعر السائل بانعدام جدوى توجيهه إلى أي منهن بمجرد لقائهن والحديث معهن عن رحلة رباطهن في المسجد الأقصى وتحملهن الكثير من الأذى في سبيل نصرته والدفاع عنه.

بعد يوم واحد من تسلمها قرارا إسرائيليا جديدا يقضي بإبعادها أربعة أشهر إضافية عن المسجد الأقصى، التقت الجزيرة نت بالشابة المقدسية آية أبو ناب التي تلاحقها الشرطة والقوات الخاصة والمخابرات داخل المسجد وخارجه منذ عام 2014.

استهلت آية حديثها عن المكانة العالية التي احتلها الأقصى في قلبها تاريخيا "عندما كانت أمي تحملني في أحشائها كانت تتردد على المسجد بشكل دائم، ثم أتيت إلى الحياة في شهر ديسمبر/كانون الأول 1998 وواظبت أمي على اصطحابي، أنا رضعت في الأقصى وكبرت فيه، وبات هو منزلي الأول ومقر سعادتي".

في حي باب حطة المجاور للمسجد الأقصى نشأت آية وترعرعت، ومع بلوغها سن السابعة قررت أن تذهب إلى الأقصى دون ذويها في حال انشغلوا بمسؤولياتهم، وبدأت باصطحاب أشقائها وأقاربها وصديقاتها يوميا إلى باحاته ومصلياته، حتى باتت تعتبر منزلها في باب حطة مجرد فندق تنام فيه لتستيقظ في اليوم التالي وتذهب إلى بيتها، المسجد الأقصى.

 

كانت مشاهد اقتحامات المتطرفين تزعجها في صغرها، وعندما نضجت بدأت تتلقف معلومة من هنا وأخرى من هناك عن استهداف المسجد الأقصى والمحاولات المستمرة لتدنيسه والسيطرة عليه.

"حاولت منع المتطرفين من التجول في المسجد من خلال عرقلة حركتهم والتكبير في وجههم رغم صغر سني ولم أيأس، هذا عرضني للملاحقة فاعتقلتني قوات الاحتلال أول مرة عام 2014 وكان عمري حينها 16 عاما".

تذكر آية أن الشرطة الإسرائيلية أدرجت اسمها في ذلك اليوم في قائمة الممنوعين من دخول الأقصى، وعندما اقتربوا منها لاعتقالها هربت واختبأت في حانوت قريب من المسجد، فاقتحمه ثلاثة من عناصر الشرطة وضابط وانهالوا عليها بالضرب المبرح ونزعوا حجابها، وتذكر أنها غابت عن الوعي وأُخبرت لاحقا أنهم رغم ذلك لم يتوقفوا عن ضربها بالهراوات.

خلال نبشها تفاصيل هذا المشهد قالت إن "هذا الاعتداء والاعتقال كان الأصعب خلال مسيرة حياتي، لكن أذكر أنني كنت صلبة أمام المحققين، لا أعلم من أين تأتيني القوة في كل جولة جديدة من الاعتقال والتحقيق".

13 اعتقالا تعرضت لها آية أبو ناب حتى الآن وجهت لها خلالها تهم مختلفة، كالتكبير في ساحات المسجد وعرقلة عمل الشرطة والإخلال بالنظام العام، والوجود في منطقة باب الرحمة أو تصوير اعتداءات المستوطنين والشرطة داخل المسجد وتوثيقها.

عرفت آية بصلابتها أثناء التحقيق، وبقوتها في الرد على المحققين، وقالت إنه في أحد الاستدعاءات الأخيرة دخل مسؤول في المخابرات وقال لها "أهلا آية، أنا إيزر مسؤول المسجد الأقصى"، فقاطعته وقالت بصوت مرتفع باللهجة العامية "فشرت"، ابتسم ضابط المخابرات وسألها عن عدد المصلين الذين يرتادون المسجد الأقصى، فأجابته بأن هذا ليس من شأنه.

"قال لي فورا: إن عشرات آلاف المصلين يدخلون الأقصى، لماذا لا نعتقل أغلبيتهم ونعتقلك أنت؟"، فقلت له "لأنني أشغل بالكم ولأنني ذات أثر ولأنني مهمة، لذلك أنا هنا"، فقال لي "صحيح أنت مهمة لكن لماذا تفتعلين المشاكل في الأقصى؟". "صلاتي في المسجد ورباطي فيه مشكلة بالنسبة لهم"، تقول آية.

خلال حديثنا معها اختلفت نبرة صوتها وبدا لنا أننا نتحدث مع طفلة عند وصفها مدى سعادتها أثناء تحليق روحها في هذا المكان الذي ارتبطت به عقائديا وعاطفيا، وعندما تطرقنا لقسوة إقبال شهر رمضان المبارك القادم عليها وهي مبعدة عند المسجد الأقصى أجهشت بالبكاء، وفي كلماتها المتقطعة حسرة أطفأت روحها الطفولية "والله أنا مقهورة كثيرا.. الله ينتقم منهم".

خف صوتها بعد الحديث عن إبعادها الأخير الذي سينتهي في شهر يونيو/حزيران المقبل، لكنها استجمعت قواها وقالت بحزم إنها أبلغت المحققين في الاستدعاء الأخير أن كل التضييقات التي تتعرض لها منذ ستة أعوام ما زادتها إلا ثباتا وإصرارا على مواصلة طريقها في الدفاع عن الأقصى.

"كلما شعرت بضيق أردد الآية الكريمة (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون)، الآيات والأحاديث الشريفة المتعلقة بالرباط تخفف عني، بالإضافة إلى علاقتي الوطيدة مع كافة المرابطات المبعدات عن المسجد لأن قضيتنا واحدة وهمنا واحد".

بعد كل اعتقال وإبعاد تشعر آية بأن مسؤوليتها تجاه المسجد تزداد، فأخذت على عاتقها نشر قضيته في العالم الافتراضي وفي كل جلسة تكون فيها "أنا الآن محرومة من مسجدي رغم أنه لا يبعد سوى أربع دقائق مشيا على الأقدام عن منزلي، هذا يدفعني لحمل رايته أينما حللت كي لا أشعر أنني أقصر في حقه وأنا بعيدة عنه".

وتحلم آية بأن تلتقي في ساحات الأقصى مع كل شخص عمل بإخلاص من أجله في كل العالم، وأن يدخلوه جميعا فاتحين محررين.

المصدر : الجزيرة نت