الرئيسية » صحتك » مقالات »  

الكسل.. معركة خاسرة يخوضها الناس ضد مصالحهم


وكالات - نساء FM:- تتخذ بعض أسباب الكسل صيغة الإحباط في توليفة تبدو معقّدة للغاية، الإحباط هو الذي يثبّط دوافعنا ويجعلنا عالقين في لحظة كسل قد تستمر طويلاً، وهو الإحباط ذاته الذي يسيطر علينا في النهاية كنتيجة حتمية للكسل وضياع الفرص.

وتؤكد عضو هيئة التدريس السريري في كلية الطب بجامعة إيموري، والأستاذ المساعد سابقاً في كلية الطب في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس الأميركية، جاينس فايوير، أن محيط علم النفس الواسع يمنحنا أساليب ونظريات أكثر دقة لفهم الأسباب الكامنة خلف أي سلوك.

وفي ما يتعلق بظاهرة الكسل في السلوك، فإن الأبحاث النفسية في هذا الإطار يدور معظمها في محور الدافعية، إذ أن أي عمل نقوم به بصرف النظر عن أهميته أو ثقله مرهون بالمكافأة التي سنحصل عليها في النهاية لقاء مجهودنا، والمكافأة هنا لا تأتي بمعناها الحرفي، فهي هنا تعبّر عن مدى جدوى قيامنا بعمل ما وما إذا كان يستحق أن نبذل الوقت والجهد من أجله.

ولذلك، فإننا ومثل معظم الناس قد نجد أنه من الصعب جدّا الخروج من السرير صباحاً لحضور فصل دراسي، إذا لم يكن هناك مبرر مادي أو معنوي كاف لقيامنا بهذه التضحية، ومثلاً يصبح الأمر أكثر جدوى للتخلي عن الكسل إذا كان المقابل مبلغاً مالياً كبيراً أو يكون الدرس ضمن متطلبات الحصول على وظيفة جديدة.

وتقول جاينس، بالطبع هناك وسائل عدة لتعزيز دوافعنا للتخلي عن الكسل والقيام بأعمالنا على أكمل وجه من دون إبطاء أو تلكؤ.

ومن أهم هذه الوسائل هو أننا ننوي أن نقوم بالعمل اعتماداً على توقعاتنا بأننا سنفوز بمكافأة ما إثر القيام به لا على ما نريده فعلاً، فإذا توقعنا الفشل مسبقاً فهذا هو أكثر عامل مثبّط للهمّة.

أما توقع النجاح فهو الدافع المطلوب للقيام بالخطوات الضرورية التي نراها لازمة لإنجاح مهمتنا، حيث تتم مضاعفة الجهود وبذل المزيد من الوقت لتحقيق توقعات النجاح.

وإذا كان الهدف كبيراً مع ما يتطلبه من أعمال ربما تكون مجهدة وغير واقعية بعض الشيء، فيمكننا استبداله بهدف أصغر أو محاولة تحقيق الهدف الأكبر على أجزاء.

وهذا سيكون ضماناً للنجاح، كما أن الأهداف الصغيرة لا تشجع على الكسل، إذ أن إمكانية تحقيقها بسهولة ووقت مختصر أمر وارد.

وعلى النقيض من ذلك، يذهب الفيلسوف وعالم المنطق البريطاني برتراند راسل في كتابه “في مدح الكسل”، إلى التلويح بأهمية الكسل لكن في صورة مغايرة للكسل التقليدي، فيقول “أنا أعتقد أن العمل الذي يُنجز في العالم الآن يزيد عما ينبغي إنجازه بكثير، كما يجب الإقرار بأن الاستغلال الحكيم للفراغ، وهو في جزء كبير منه نوع من الكسل المنتج، هو نتاج المدنية والتعليم، وإن الإنسان الذي اعتاد على العمل ساعات طويلة يصيبه الملل لو أنه أصبح متعطّلا بين يوم وليلة”.

ويرى راسل أنه من دون جانب كبير من الفراغ، فإن الإنسان يجد نفسه محروما من الكثير من أطايب هذه الحياة. ولم يعد من داع حتى تعاني غالبية الناس من هذا الحرمان والتقشف السخيف الذي يحمل طابع التضحية، الذي يجعلنا عادة نستمر في الإصرار على العمل بكميات ضخمة رغم أن الحاجة إليها لم تعد قائمة.

ويؤكد راسل أن دعوته إلى وجوب تخفيض ساعات العمل، لا تعني أن الوقت المتبقي يجب أن يستغل بالضرورة في مجرد تفاهات، بل إن العمل لساعات محدودة ومعقولة يومياً هو الذي يؤهل الإنسان للحصول على ضرورات الحياة ووسائل الراحة الأوّلية فيها، وأن يستخدم بقية وقته بالطريقة التي يرى أنها مناسبة، إنه أمر مهم في أي نظام اجتماعي أن يهدف جزئياً إلى خلق أمزجة، ليمكّن الإنسان من الانتفاع بوقت فراغه بذكاء.

ومن ناحية أخرى، فإن تاريخ الوجود البشري كان يعتمد بالأساس على الأعمال المجهدة بسبب شحّ الموارد، وكان الدافع واضحا وجليّا حيث أن الكسل في تلك الأوقات كان يعني الموت بالضرورة.
وفي حين، يبدو زمننا الحاضر متخما بمصادر العيش، إذا استثنينا بعض مناطق ودول العالم التي تئن تحت وطأة الحروب وسوء توزيع الفرص، لهذا تبدو الدوافع أو المحفزات للعمل الشاق غير مقنعة في عالمنا الحديث.

ويرى الطبيب والمعالج النفسي كالمان غلانتس، أستاذ العلوم الاجتماعية في كامبريدج، أن الكسل لم يظهر إلا عندما أصبح التخطيط للمستقبل ممكناً، وأكثر ما يثبّط الهمم في هذا النوع من الخطط، أن تحقيقها يكون في الغالب بعيد الأمد، لذلك سرعان ما يتسرّب الملل إلى نفوسنا لأننا نكون عادة مهيئين للاستجابة للتحفيز الفوري والمكافأة المباشرة وليس لتحمل مديات بعيدة، تأتي تحت مسميات خطط مستقبلية قد تتحقق وقد لا تتحقق.

وعموماً، يعرف الكسل على أنه عدم الرغبة في إهدار الطاقة، لكن الكسل في بيئة يمكن أن نكون فيها منتجين إلى أقصى حد، هو وصفة لعدم الارتياح والانزعاج الشخصي مع ما يرافقهما من شعور بالاختلاف السلبي عن بقية الأشخاص الذين يقعون ضمن المحيط الاجتماعي الضيق.